السبت، 22 أكتوبر 2022

في الخطاب والخطاب

على مدار سنوات صراعه مع الاحتلال، ونضاله لنيل حريته وحقه بتقرير المصير، دأب الفلسطيني _بشكل رئيسي_ على تبني أحد خطابين، الاول خطاب الضحية، والثاني خطاب البطولة، وقد خدم شكلا الخطاب القضية الفلسطينية في مراحل سابقة، مع اختلاف جماهيرهما، وأدواتها في فترات زمنية سابقة. لكن الأزمنة تتغير، وتتغير معها الادوات والأولويات، وكذا الأساليب، وكان مطلوبا من صانع الخطاب "الفلسطيني" تكييف أدواته ومحتوى خطابه، ليتناسب مع الحدث والجمهور، والسياق العالمي والإقليمي.

وعندما نقول "خطاب" فإن هذا يتضمن _من بين ما يتضمن_ رسائل وأهداف سياسية، ثم بالتأكيد وبشكل غير منفصل، الجانب الاعلامي، فالاعلام هو القناة التي نصل من خلالها إلى العالم.

خطاب الضحية، كما خطاب البطولة خدمة قضيتنا _مع اختلاف جمهور كل منهما_ عبر عقود الصراع، فقد وُجِه كل منهما لجمهور مختلف، فليس من المنطقي توجيه كلا الخطابين لنفس الجمهور بنفس الوقت، والا أصبح كليهما غير ذا جدوى، مع الأخذ بعين الاعتبار عامل الزمن "التوقيت". والان _وحسب وجهة نظري_ فإن ما يمكن لهذين الخطابين أو أحدهما تقديمه، يعد خدمة محدودة جداً، خاصة أمام الرأي العام العالمي وشعوبه، في وقت تغيرت فيه الادوات السياسية والإعلامية على وجه أكثر تحديدا، وتغيرت خصائص الجماهير واهتماماتها "هذا التغير بحاجة لنقاش طويل".

لماذا تراجع تأثير هذين الخطابين؟ بتحليل بسيط تستطيع فهم ما يلي:

اولا، خطاب الضحية، اعتقد ان خطاب الضحية لن يكون مجديا، بل هو غير مجدٍ ولن يلتفت لنا أحد، لأن الكوكب، أصبح يعج بل ربما يضج من كثرة الضحايا، ضحايا الحروب والكوارث، الذين يعاني معظمهم إنسانيا أكثر من معاناة الفلسطيني بكثير "مع اننا كأصحاب الحالة من الطبيعي أن نرى معاناتنا الأكبر والآثار إلحاحا، الا أن للعالم اعتبارات أخرى". وأمام العالم نحن مشكلة مزمنة، بحاجة لحل، لكن لا أحد منهم يملك الحل، أو يحمل مسؤولية هذا الحل، لذا فإن اكبر ما يقدمونه، هو كثير من وعود الكلام، وبعض المعونات الإغاثية، وحتى هذه تتراجع مع ازدياد الشعوب التي تعاني، ومع أزمات اقتصادية حاليه، تضرب الشعوب والدول التي كانت تقدم لنا هذه المعونات والوعود، وحالة أوروبا ما بعد كورونا، والعمليات العسكرية الروسية في اوكرانيا، مثال حي على انشغال العالم عنا بمشاكله وازماته الخاصة.

ثانيا، خطاب البطولة، والقدرات الذاتية الكبيرة، وهذا اذا تم تقديمه للعالم، في هذه المرحلة بالذات، سيعود الينا بصيغة عكسية تقول: إذا كنتم ابطالا، ولديكم كل هذه الإمكانيات، فبماذا تحتاجوننا؟. صحيح أن هذا الخطاب ذو مردود جيد داخليا، حيث يقوي الروح المعنوية، ويرفع درجات الثقة بالنفس، خاصة أنه مقترنٌ دائما بكوننا أصحاب الحق، والحق قوة، ولكن مع انتشار منصات التواصل الاجتماعي، فقد تلاشت الحدود بين الجمهور الداخلي، والجمهور الخارجي "العالمي"، ومع تركيزنا على صيغ خطابية ذاتية نخاطب بها انفسنا، مع تلاشي الحدود، نحن بحاجة ربما لإعادة النظر في كل خطابنا، و/أو أدوات إيصال هذا الخطاب إلى جمهوره المقصود، بالمعنى المقصود وان لا يرتد علينا سلباً، وربما تذكرون تصريحات أحد قادة الفصائل حين قال إننا مستعدون لبيع الصواريخ للدول الأخرى!!

إن تعديل الصيغ وصناعة المحتوى الملائم، واستخدام الأدوات المناسبة بالتوقيت اللازم، أمور لن يحسمها مقال رأي صغير، بل تحتاج مداولات مختصين، وتبنيها من قبل أصحاب قرار رسمي وفصايلي.

نأتي إلى شكل الخطاب الذي نحتاجه الآن، وايضا هذا من وجهة نظر الكاتب، فما نحن بحاجة إلى تقديمه وإعلائه وإتقان صياغته، هو شكل خطاب إنساني، يقدمنا للعالم ليس على صيغة ارقام كما أصبح الحال منذ فترة ليست بالوجيزة، خطاب يؤنسننا أمام العالم وفي العالم، لا ينوح بنا ولا "يعرط"، بل يقدمنا كجزء من النسيج البشري لهذا الكوكب يحق لنا ما يحق لبقية مكوناته. وايضا علينا إعادة النظر في الألفاظ والمصطلحات والتوصيات التي نقدمها للعالم عنا، أو على الأقل بعض الأوصاف والمصطلحات _وبعضها كنت تطرقت إليه في كتابات سابقة_ التي نحاول من خلالها شرح قضيتنا للعالم، كما الابتعاد عن نشر "المسلمات"، وأقصد بها ألفاظا وكلمات تحمل لنا معانٍ مهمه، لكن معظم العالم لن يفهمها كما نريد، لا ضير أن شرحناها بشكل مقتضب بين الفينة والاخرى، أو في الحواشي، خاصة حين ننشر بلغات أجنبية، فمثلا، ليس كل العالم يفهم كلمة "مستوطنين" بالمعنى الذي نفهمه، ولا كل العالم يفهم قدسية مكان ما، أو شهرٍ ما، كما نفهمها نحن، لنذكرهم أو نفهمهم إياها "حبة حبة"، وان لا نمل من الشرح.

دولة الاحتلال، أطلقت برنامجا "خطة عمل" يسمى "هسبراه"، وهو برنامج خاص للدبلوماسية الرقمية، عبر منصات التواصل الاجتماعي المختلفة، يبث بكل لغات العالم الرئيسية ومنها اللغة العربية، تختلط فيه الدبلوماسية الرسمية بالشعبية، السياسية بالثقافية، ويجند فيه الخطاب الديني والعلماني، كل ذلك بهدف ال "هسبراة"، شرح "إسرائيل" للعالم، وتمرير الرواية الصهيونية لتصبح أمرا واقعا في وعي كل فرد من سكان الكوكب يستطيعون الوصول اليه، ولك أن تتخيل من زاوية أخرى، أن الشعب الذي ليس شعبا، بل هو خليط هجين من كل الشعوب، أصبح ومنذ زمن، يقدم للعالم رواية موحدة، ولا تجد من بينه من يناقضها أو يعارضها "إلا قلة تكاد لا ترى، بينما نحن الشعب الواحد أصلا، لا نستطيع أن نقدم للعالم خطابا موحدا، بل تجدنا يأكل بعضنا بعضا بكل اللغات، وفي نفس الوقت، نطالب العالم أن يقف معنا لنحصّل حقوقنا، لا أدري كيف ممكن موازنة هذه المفارقات، فهل تدري؟ 

عمل كثير نحتاجه، لترميم ما تلف لدينا من صيغ وأساليب وادوات، والزمن ليس لاعبا صديقا، بل هو خصم لدود، لم ولن يكون في صالحنا، الا اذا سابقناه وسبقناه.

*عبدالله زماري، باحث في الإعلام الرقمي وتحليل الخطاب

الأحد، 25 سبتمبر 2022

شظايا

 بين الحدث والواقع، شظايا لا تُجمّع

يصر بعض الأصدقاء على الإبقاء على لفظة "الانقلاب" لتسمية ما حدث عام ٢٠٠٧. 

حسنا، إن الانقسام الذي أعقب الانقلاب أخطر بكثير، لأن الانقلاب "حدث" بينما الانقسام "حالة" ووضع قائم، كنتيجة لسبب حدث وهو الانقلاب.. وفي نظرية "الانفجار العظيم" التي شرحت تشكل الكون، يحاكي الانقلاب لحظة الانفجار، والانقسام يمثّل مرحلة التشكّل.

يبدو أن الأمر ازداد خطورة في هذه المرحلة فالانقسام الذي ينادي "الجميع" بإنهائه، من خلال "مصالحة ما" قد تحول إلى إنفصال "واقع"، وحسب النظرية نفسها، فالانفصال يمثل حالة الكون حيث استقر نسبيا في شكله ووضعه الحالي.

ما نشهده من تشظّي عبر منشورات وتعليقات الشباب والنخب _اكاديمية وسياسية_ على حد سواء، يقود للاستنتاح، أن كل صيغ المصالحة التي طرحت وتلك التي قد تُطرح مستقبلا، لا تملك أي وصفة أو مقدرة فعلية على إنهاء هذا الانفصال، المتعزز واقعا كل يوم _او كل مفصل_ عن اليوم أو المفصل الذي سبقه..

تقوم ماكينات إعلامية وسياسية داخلية وإقليمية وعالمية إن شئت، بتأجيج هذا التشظّي، إنفصاليّ النسق، دون صوت او جهد فاعل لقوى وفواعل تعمل على رأب المسافة المتزايدة بين ضفتي الجرح. 

تسهم المعالجات السطحية، والعاطفية، في استدرار ما هو مضاد، وكأن الفواعل _افرادا وجماعات_ قد اكتسبت مناعة وحصانة ضد خطاب التقريب، حتى وإن كان خافت الصوت والأثر، متقطعاً ولا مركزيّ.

استنتاجي المؤلم، لن يكون هناك "مصالحة" للأسباب التي ذكرت _وغيرها لم اذكرها_ لا غدا ولا بعد حين، لأن كل يوم يمر، يزيد الانفصال الذي لم يعد جغرافيا فقط..

الثلاثاء، 13 سبتمبر 2022

حصانة؟


الحصانه الوطنية.. الحصانه الاجتماعية.. مصطلحان مختلفان بعض الشيء ولكنهما يقودان لبعضهما..

هل نحن شعب لديه حصانه وطنية أو اجتماعية.. 

الخميس وفي لقاء غير مخطط، جمع ستة كفاءات إعلامية وأكاديمية في معهدنا، دار حديث متشعب وتناول قضايا وعوامل عدة تساهم في بناء أو تقويض "الحصانة" 

تحدثنا عن الإعلام سابقا واليوم والانفجار الإعلامي إن جاز التعبير الذي حققته ثورة الاتصالات والتكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي..

تحدثنا عن غياب الدور الريادي والتوعوي للتنظيمات، بل ولمؤسسة العائلة، وعن أداء سلبي تتحمل مسؤوليته المؤسسة الرسمية (دوائر السلطة الفلسطينية) يتحمل جزء منه المدرسة والتنشئة..

تحدثنا عن دور العملاء الذين لم يعد أحد يفطن إلى دورهم الذي تحوّر وتطور كما تحوّر وتطور اداؤهم وأهداف مشغليهم..

تحدثنا عن دور المناهج الخفية أو المنافذ الخفية في تشكيل الوعي الفردي والجماعي للشعب..

تحدثنا عن جهل يتزايد برغم تزايد مستويات التعليم والشهادات..

تحدثنا عن عادات وتقاليد (محمودة وسلبية) كما تحدثنا عن مفاهيم جرى ويجري اقحامها عنوة في نظامنا الاجتماعي ..

تحدثنا عن منظومة اخلاق تنهار بسرعه، وتحدثنا عن فجوة كبيرة وتزداد بين الأجيال مثلها مثل الفجوة بين النخب والجماهير والنخب ( السياسية والتنظيمية والاجتماعية والاقتصادية)

تحدثنا عن غياب القدوة الحسنة وطنيا واجتماعيا وحالة الاغتراب الشديد وثقافة الكراهية والعنف البيني..

وسألنا أنفسنا لماذا نشخص ولا نطرح حلول (المقصود كمجتمع) 

تحدثنا عن فوضى الاشاعه وعقيدة الصدمة .. تحدثنا عن الصمود والبقاء ولكن مع تشوه وتمزق ربما في مفهوم الهوية الفلسطينية ..

كان حديثا طويلا فتح جراحاً وفتح عيونا .. 

اعود لنقطة البداية اذا كنت تقرأ حتى هنا.... 

الحصانة أو المناعه الوطنية ما هي؟ كيف تعرفها .. فنحن لن نتفق على تعريف دقيق لها ..

ثم نسأل هل الانغلاق الثقافي لبعض المجتمعات هو الحل مع الإشارة إلى أن بعض المجتمعات محصنة بدرجة كبيرة من اختراقات ثقافية وأمنية وسياسية بارزة.. 

ثم طرأ عندنا سؤال كبير .. لماذا نجد مجتمع دولة الاحتلال متماسكا صلبا ( محصنا) من اختراقات وخلافات كبرى برغم تعدد اعراقه وثقافاته ومنابته واتجاهاته الحزبية والدينية.. بينما نحن الفلسطينيون نعاني التشظّي برغم أن لا فوارق جوهرية تذكر بيننا

الأحد، 26 يونيو 2022

في الفوضى، يكسب المنظّم

في الحرب كما في السلم، او حتى في المنطقة الرمادية بينهما، حالة عدم الاستقرار والفوضى، فإن الرابح الاكبر هو الافضل تنظيما وتحديدا للهدف، وهو ما شهدناه عدة مرات، من العراق، حيث فازت الاحزاب الشيعية باغلبية مقاعد البرلمان، الى مصر وتونس، فبالرغم من ضعف مشاركة الاخوان في الاحتجاجات الشعبية، الا انها فازت في انتخابات البلدين، ليس لسبب سوى كونها الافضل تنظيما وترتيبا ووضوحا للهدف، ولا تقتصر الامثلة على الدول العربية فقط، بل أوردناها لانها حالات اقرب لفهمنا ومحيطنا.

بعد اعلان اقطاب الإئتلاف المشكل لحكومة دولة الاحتلال، فك هذا الإئتلاف والتوجه نحو انتخابات عامة جديدة، تبرز للسطح مرة اخرى "أزمة" في التركيبة السياسية لدولة الاحتلال، او على الاقل تركيبة الاحزاب والكتل الانتخابية، أزمة ناتجة عن اضطراب او اضطراب ناتج عن أزمة، لا فرق هنا، فسوف تظهر العديد من التجاذبات والتحالفات والحسابات الانتخابية لن تترك فريقا ما على حاله في الانتخابات القادمة من اقصى اليمين، الى اقصى اليسار "هذا ان بقي فيها يسار"، حيث تشير استطلاعات الرأي الاخيرة الى عدم اجتياز ميرتس نسبة الحسم اسوة بالقائمة الموحدة بقيادة منصور عباس. مما سيعني كنيست اكثر يمينيّة يقود لتحالف حكومي اكثر تطرفاً.

هذه الحالة، الأزمة او "الاستعصاء" كما يسميه بعض الكتاب والنشطاء، ينتج فوضى، على الاقل حتى اقرار تحالف حكومي قادم، ينخرط فيها فرقاء مختلفون دون فوارق جوهرية بينهم، فاذا استثنينا القائمة العربية المشتركة، فان بقية الاحزاب القادمة هي احزاب صهيوينة تؤيد الاحتلال، وتؤيد الاستيطان وتدعمه بل وتعتبره سبب وجود وشرعية.

هنا يظهر ان المستفيد الاول والاكبر من حالة الفوضى هذه هم المستوطنون وحركة الاستيطان، نظرا لما سبق واشرنا اليه حول تاييد كل الاحزاب الصهيوينة للاستيطان، اضافة الى سبب هام وحيوي، وهو ان المستوطنون قد احسنوا تنظيم انفسهم، واتقنوا لعبة السياسة الى جانب اتقان لعبة الابتزاز وتحويل كل أزمة الى فرصة لتحقيق مزيد من الارباح. اصبح المستوطنون "الكتلة السياسية" الاكبر في دولة الاحتلال فمع رقم تقديري هو 900 الف مستوطن، فان هذا يجعل المستوطنات خزان اصوات خطير التأثير والفعالية لخدمة "القضية"، وهو ما سيعني ان كل الاحزاب الصهيونية ستسعى لطلب ود "ست الحسن" الأقبح في التاريخ، حيث تعرض هذه الكتلة بضاعتها "اصواتها" على من يستعد لدفع الثمن الاكبر، والثمن هو مزيد من الاراضي الفلسطينية والاستثمار في البنية التحتية وزيادة الانفاق والحماية الامنية للمستوطنات، اضافة الى رفض اي اقتراح لقانون او تسوية قد تمس بالمستوطنات في الضفة.

اذا كان المستوطنون قد اصبحوا الكتلة الاكبر، فلماذا لا يشكلون حزبهم الخاص ويفوزوا بعدد مقاعد جيد في الكنيست؟ حسناً، لماذا يفعلون ذلك وهم يستطيعون تحصيل نفوذ اكبر بكثير من خلال تصويتهم لعدة احزاب تستطيع بمجموع اصواتها ومقاعدها تحصيل نسبة اكبر مما سيحصلها حزب المستوطنين "الافتراضي"، كما لن يخاطر المستوطنون ببقائهم في مرحلة ما، في معسكر المعارضة، فهو الامر الوحيد الذي قد يصب مؤقتا في غير مصلحتهم.

هل من مصلحة الفلسطيني استمرار وتعمق حالة الأزمة السياسية "الاستعصاء"، في دولة الاحتلال؟

حقيقة انا اجد صعوبة في فهم منطلقات وموجبات مثل هذا السؤال، وانا بالطبع لست خبيرا في السياسة ولا مختصا في شؤون دولة الاحتلال، ولكني احاول إخضاع الامور لمحاكمات منطقية في تفكيري البسيط، خاصة وان معظم السيناريوهات القادمة ترجح عودة بنيامين نتنياهو الى الحكم في دولة الاحتلال، بدعم كبير من المستوطنين، دعم لن يكون بدون مقابل مجزي من الارض الفلسطينية وامان سكانها ومواردها، فعلى ماذا يراهن اصحاب هذا التساؤل/الافتراض، حول تحقق مصلحة فلسطينية جمعيّة، من إطالة حالة فوضى، معلومة النهاية بشكل شبه مؤكد؟ نعلم انه قد تستفيد بعض الجهات الفلسطينية المتشددة، من مثل هذه الازمات وما يتبعها من اجراءات تعسفية بحق الفلسطيني، نحو توسيع في قاعدتها الجماهيرية، وتقوية ايقاع الشعارات التي تنادي بها.

اصبح واضحا فشل كل من مسار التسوية السلمية، او مسار الحل العسكري للصراع، على الاقل حتى اللحظة، فالمراهنة على مسيرة التسوية والمفاوضات ومراهنة على دور امريكي اوروبي في اقرار حل الدولتين وتنفيذه، لم يبق لها الاستيطان حيزاً للحياة، اضافة لوصول السلطة لموقف رهينة ابتزازات مالية وسياسية اوروبية امريكية، وصلت حد الإبتزاز لتغيير مناهج التعليم الفلسطينية مقابل استئناف مساعدات اوروبا المالية للسلطة، وهي مساعدات مشروطة حتى لو وافقنا على تغيير المناهج.

اما الحل العسكري للصراع والذي تتباه حماس وبعض الفصائل الاصغر ضمن حلفها مع ايران وحزب الله، فاثبتت ايضا فشلها في تحقيق نتائج فعلية تتعدى الانتصارات الشعاراتية، والتي لم تتعد منزلة عدة زوابع في نفس الفنجان، ليس الا ربما توسيع لحماس من قاعدتها الجماهيرية خاصة في الضفة الغربية والجاليات الفلسطينية في الشتات، مع تراجع لهذه الشعبية والتاييد في قطاع غزة الذي تحكمه حماس منذ خمسة عشرة عاما.

حالتنا الفلسطينية ابعد ما تكون عن التنظيم الجيد، تحديد هدف جماعي، وضع خطة موحدة. ومن ناحية منطقية فإن تعمّق او تخفيف او حتى زوال الازمة في دولة الاحتلال لن يفيد بكل حالاته سوى الاستيطان والمستوطنين، وبشكل دائم، "فالدولة" قائمة على فكرة الاحتلال والاستيطان، والرواية التلمودية بانها ارض اسرائيل وان المستوطنات ما هي الا اراضٍ محررة عادت لحضن الام.

ختاما وبرأيي المتواضع، فإن أي تغيير ايجابي، في موازين القضية الفلسطينية لا بد ان يكون فلسطينيَّ المنشأ، بحيث نحسّن تنظيم انفسنا ونعيد ترتيب اوراقنا، ونتفق على هدف جَمعيّ نقدمه للعالم موحدين، وهذا كله لا يمر الا من بوابة انهاء الإنقسام، كل هذا من جهة، أما من الجهة الثانية فهناك ضرورة للتفكير في استغلال التحالفات والاصطفافات الجديدة، وتغيّرات موازين القوى، في الاقليم والعالم، ولكن حتى هذه فانها لا تخضع سوى لحسابات المصالح، وليس بالضرورة ان تخضع لمعايير الحقوق والعدل والشرعيات.

خلاصة قصيرة جدا:

طريقنا طويل، مليء بالحفر والموانع والطعنات.

الأربعاء، 11 مايو 2022

خطبة الجمعة

عباد الله..

أعلن اعلام الاحتلال بوقت مبكر صباح اليوم، عن أن جيش الاحتلال، شخّص "مخربين اثنين" وقام بإطلاق النار عليهما واصابتهما بالرصاص في جنين.
عندما تبين أن رصاص جنود الاحتلال، قتل #شيرين_فلسطين واصاب السمّودي _حيث لم يكن أي مصاب غيرهما في جنين_ بدأ بترويج إشاعة أن مقتل شيرين كان برصاص مقاومين فلسطينيين.. ولما فشل في إثبات روايته، انطلق عبيدُ الاحتلالِ، ومحظياته، لإثارة البلبلة، وحرف الأنظار وتشتيت الجهود الفلسطينية وإزاحة بعضها من خانة فضح جريمة الاحتلال، إلى خانة إثارة الفتنة والنعرات الدينية العمياء من خلال عملاء، يظهرون للعلن أنهم فقهاء.. نعم أكاد أجزم أو أقسم، أن من أطلق هذه النعرة اليوم هم مجموعة عملاء للاحتلال، حتى لو أدرجوا المصحف كاملا في منشوراتهم.. فآيات القرآن هنا، كلام حق أُريدَ به باطل.. ولم ينس أحد حتى الآن عطعوط القدس الذي هاجم أمام الاقصى "غيرة عالدين والمقاومة" في الوقت الذي كان قد وقع عقود بيع منزله #لجماعة_شلومو متذكرين؟
طبعا لا أستطيع أن أقول أن كل من فرق بين الدم اليوم على أساس ديني هو عميل للاحتلال، فهناك البلهاء، الجهلاء، الأدعياء #الناسخين_اللاصقين والسفهاء.. ولكنني لا أجد وصفا سليما لطيفا لأي منهم..
تخيّلوا معي أن صاحب الرحمة ومانحها الحصري والوحيد، يطلب من بشر أن لا يدعو بالرحمة لبشر آخرين، وهو الذي "وسعت رحمته كل شيء".
ثم ماذا يضرّ المسلمَ، اذا شملت رحمة الله بشرا آخرين غير مسلمين، هذا #اذا_افترضنا أن رحمة الله بالأساس حصرية للمسلمين، كما يروّج بعض الأشخاص أو التيارات.
انا هنا بالتأكيد، لا اناقش حالة #شيرين وحدها، لكنها هي الحدث اليوم.
انت ايها "الاسلامي" لم تختر أن تولد مسلما، وعلى الأغلب أنك لو كنت ولدت بدين آخر، ما كنت غيرته، وكذا ولد أبناء الديانات الأخرى.
انا مؤمن بكل الكتاب، لكن الآية التي تقول "ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة" هي الأقرب إلى عيشنا بفلسطين.
وانا ادعو الله أن يرحم ويهدي كل البشر لما يحبه ويرضاه، فهذا لن ينقص من حصتي في رحمته إن كنت استحقها، ولن ينقص من حصتك بالرحمة، إن كنت تستحقها.
إن من وسعت رحمته كل شيء، لا يحتاجك كي تضع علامات على حدود رحمته أو أن توجهها كيف تشاء، فأنا متأكد أنه لم يمنحك عقد وكالة، ولا نماذجا بطوابع لصكوك غفران تمررها عبر فيسبوك يمنةً ويُسرة.
عباد الله، لا يرهبنكم خطاب الظلام، ولا يشكّكن في صدق إنسانيتكم، ولا نقاء فلسطينيتكم بجمال تنوعها وتمازجها..
اللهم ارحم شيرين ابو عاقلة، وارحم كل من ارتقى اليك مدافعا عن أرض فلسطين، أو صامدا مرابطا فيها.. وارحم كل ذي قلب رحيم وخلق قويم من مخلوقاتك اجمعين اقول وقولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم، ويا فوز المستغفرين.

الأربعاء، 13 أبريل 2022

استشهد، أم قتل؟

 استشهد أم قُتل؟



الموت الطبيعي هو أن يموت شخص ما دون تدخل طرف ثان.

وقد ميزت بعض اللغات في استخداماتها الشائعة بين اشكال للقتل، في العبرية مثلا يقولون قُتِلَ (نِهْراج) لمن قتل بدون عمد واصرار، مثل قتل الخطأ، قتل بسبب حادث سير أو حادث عمل..الخ كما يقولون قُتِلَ (نِرتسَاح) لمن يقتله شخص آخر بقصد ونيّة القتل، كجرائم القتل مثلا..

في الانجليزية، يقولون قُتِلَ (killed) بمعنى شبيه لمعنى (نِهراج) العبريه، اي في حوادث أو بغير قصد أو خارج عن القانون قتلته الشرطة في مطاردة..الخ، وهناك قُتِلَ (murdered) لوصف جريمة قتل مع نية وقصد.. 

وبالفرنسية نفس الأمر هناك tué/killed وهناك assassiné/murdered. 

في لغتنا العربيه حسب علمي لا يوجد هذا التمييز، نعم هناك مرادفات مثل، اغتيل، صُفيَ، ولكن قصدي الذي أريد إيصاله لا تخدمه هذه الكلمات، فالعربية تقول (قُتلَ) لمن يقتل في حادث سير، و قُتلَ لمن يقتله شخص بطلق ناري بنية للقتل، ربما لا يعني ذلك فارقا لأحد، في الظروف الاعتيادية، ولكن عندما يتعلق الأمر بقضيتنا، ونضالنا ضد الاحتلال، لا بد من التدقيق، والوقوف مطولا، وخاصة عند تنفيذ مناضلينا عمليات فدائية ضد العدو..

مقدمة سريعه بعودة للغة العبرية، يصف اعلام الاحتلال شهدائنا بأنهم "نِهرجو"، وقتلاهم بأنهم "نِرتسِحو" اي أن شهداءنا قتلوا بدون قصد أو بحادث، وهو ما يعني عدم وجود فعل القتل "murder"، وهو ما لا يستدعي محاسبة، ولا يسترعي التعاطف مع "ضحية" انسانية، وقد اصبح هذا احد اركان الرواية الصهيونية للاحداث، بينما لو قتل مستوطنٌ ما، نتيجة القاء حجارة فإنه "نِرتساح" اي قتل بقصد ونية، فهي جريمة قتل تستدعي محاسبة وتعاطفاً.

اذا اردنا عكس النظرة ودققنا في الرواية الفلسطينية لنفس الاحداث، سوف نجد اتجاهين في الرواية، الاتجاه الاول يتناول الضحايا الفلسطينيين، والثاني يتناول خسائر الاحتلال، كما هناك صورتين مختلفتين عند صياغة الخبر باللغة العربية، او عند صياغته بلغة اجنبية "الانجليزية كمثال".

عند الاشارة الى الضحايا الفلسطينيين في النسخة العربية من الخبر، تستبدل كلمة قُتل بكلمة "استشهد" وهذا امر ذو دوافع دينية ووطنية حيث المكانة العليا للشهداء في الدنيا والآخرة وتحمل تعزية ومواساة لاهالي الشهداء، وهذا هو المطلوب من الناحية الوطنية والوجدانية، ولكن هل هو #الأصح من وجهة نظر "علم الاعلام والاتصال؟" خاصة عند صياغة الخبر باللغة الانجليزية. سواء في وسائل الإعلام، او في منشورات نشطاء المنصات الفلسطينيين وتعليقاتهم _وهذا ايضا اعلام_ نجد الكثير ممن يصيغون الخبر ويدرجون كلمة شهيد “martyr” باللغة الانجليزية _واحيانا مكتوبة بالاحرف الانجليزية shaheed_ منطلقين من نفس الدوافع الدينية والوطنية التي صاغوا فيها الخبر بنسخته العربية، ولكن هذه المرة بدوافع خاطئة للجمهور الخاطيء، فهل يفهم الاجنبي الذي يقرأ ماذا يعني شهيد، وهل سيتعاطف او يؤيد او يقف للتفكير بخبر فيه كلمة محورية جداً، لا يحسن استدخالها وفهمها والتفاعل معها، بل لا تترك لديه ذلك الاثر الانساني الذي تتركه كلمة Murdered، لان "استشهد" وان فهمها جيدا فهي أمر يبعث على الفخر وقد نال الشهيد جائزته وهي الجنة ولا يُطالبَ أحدٌ بدفع الثمن، أما Murdered، فتحمل اثرا نفسيا قوياً، تستدعي التعاطف والتفاعل واذا اقترنت في الصياغة مع إبراز الفاعل "القاتل" فان الأمر يستدعي محاسبة الفاعل "الاحتلال"، صحيح أن المتلقي الفرد لن يستطيع محاربة الاحتلال على جرائمه، ولكنه يضيف صوتا اخر في الرأي العام ينفر من تأييد دولة قاتلة.

وهناك ايضا من لا يذكر كلمة شهيد في الخبر بل يصيغه "Palestinian teenager were KILLED, after being shot by idf in the city of Jenin”

ثم ناتي لصياغة الخبر، حيث نجد احيانا ان الامر مبني للمجهول "استُشهد الشاب فلان فلان 23 عاما، من قرية او مدينة كذا، صباح هذا اليوم، بعد ان اطلقت قوات الاحتلال النار عليه..الخ الخ" لقد القت هذه الصياغة بالفاعل القاتل الى اخر الخبر وكانها في خلفيته، مع اننا نحتاج الى ابراز الفاعل "القاتل" والفعل "القتل" اكثر قليلا من إبراز الضحية، مع ان الضحية وطنيا ونفسيا وثوريا اكثر قيمة لدينا من الفاعل، ولكن للإعلام أحكام.

هناك الكثير مما يمكن قوله هنا، ولكن الامر يحتاج صفحات سيمل القاريء حتما من قراءتها، إذا فالخلاصة هنا هي اننا نحتاج الى مراجعة تكتيكاتنا الاعلامية خاصة في الحالات التي اوردت في المقال، نحتاج حين وصف قتل او استشهاد فلسطيني ان نبرز الفاعل ونقدمه، نحتاج ايضا الى تسمية العملية بانها قتل “MURDER” وليس “Killing”. وبرأيي عند مخاطبة جمهور بلغات غير العربية، لسنا بحاجة الى كلمة استشهد او شهيد، ولننحي العواطف جانبا، لأننا من خلال الاخبار نبحث عن لفت انظار العالم والبحث عن تاييده وتعاطفه الانساني والسياسي على حد سواء. 

أما عند ذكر خبر حول وفاة مستوطن ما، نتيجة عمل مقاوم، ان نلغي كلمة قتل نهائيا بكافة صيغها، ان نركز على تغييب الفاعل الفلسطيني او تاجيل ذكره قدرما نستطيع، وان نبني الجمل الخاصة بذلك للمجهول، واذا وجدنا ثغرة تمكننا من ذكر ان المستوطن جلب ذلك على نفسه، فسيكون امرا عظيما.

اثناء كتابة السطور الاخيرة لهذا المقال لفت نظري مقابلتان تلفزيونيتان شاهدتهما، احدهما للسفير الفلسطيني في لندن د. حسام زملط، والاخرى لعضو الكنيست عن القائمة العربية الدكتور سامي ابو شحادة، الاولى بالانجليزية، والثانية بالعبرية، وكان بينهما قاسمين مشتركين، الاول هو محاولة محاوريهما توريطهما في فخ المصطلحات والمفاهيم، والثاني انهما بارعان وربما كانا الابرع في استخدام نفس المباديء والصياغات التي اشرت لهما في هذا المقال، وأرى ان خطابهما لا بد ان يعمم ويدرّس، وان يجري تدريب بقية المتحدثين الرسميين او النشطاء الحزبيين عليه، اذا ما اردنا ان نخطو خطوة للامام في المواجهة الاعلامية مع رواية الاحتلال.

ارجو ان اكون استطعت ايصال فكرتي وشكرا

الخميس، 7 أبريل 2022

حين نشنق أملنا

 مرة أخرى..

مشهد اعتقال #جاسر_دويكات وما تبع تفاصيل المشهد من ردود أفعال وتعليقات، سواء متعاطفه ومتضامنة، أو تلك التي اتخذت منحى آخر، وهو الهجوم والسخرية والسلبية، سنضع جانبا التعاطف والتضامن، وسنتطرق للنوع الثاني..

.

ولنضع في خلفية المقال مصطلح الدبلوماسية الشعبية، أو الدبلوماسية الثقافية، ابقوها حاضرة...

.

استذكرت وانا اقرأ بعض التعليقات، استذكرت ما حدث في مناسبات واحداث سابقة، لاقت تعاطفا وتأييدا دوليا وعربيا ومحليا، الا أنها ايضا لاقت هجوما لاذعا وقاسيا من أصوات محلية..

الاول يخص محمد عساف، والذي شكل فوزه بلقب محبوب العرب قبل عدة سنوات حالة عارمة من الفرح فلسطينيا والتأييد العربي والعالمي، وكان من الممكن استثمار الحالة دبلوماسيا "شعبيا وثقافيا" الا أن الأصوات السوداء ظهرت لتهاجم الشاب الموهوب يمينا ويسارا، وتستغل ما استطاعت لتسجيل "هفوات" أو "غلطات" ضد الفنان، لماذا؟ لن تجد جوابا منطقيا، ولكن بالتأكيد هناك جواب..

الحالة الثانية، كانت حالة الفتاة اليافعه عهد التميمي، والتي نالت شهرتها عالميا بسبب تصديها لجنود الاحتلال في قريتها النبي صالح، واعتقلت وحكمت، وافرج عنها، وخلال ذلك ارتفعت صورها في عديد من العواصم العالمية، الأوروبية بشكل أساسي، لأسباب نعلم معظمها وهي ملامحها الأوروبية وشعرها الاشقر وسنها الطفولي وقتها، وقد لفتت هذه الملامح إضافة للأفعال أنظار أوروبا بشكل جلي، لأنها بكل بساطة تشبه بناتهم واخواتهم.. ولكن أيضا تعرضت الفتاة لعاصفة من الهجوم والانتقاد والتنمر الالكتروني والاشاعات ايضا، من قبل كثير من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي في فلسطين، هجوم وتنمر جعل الفتاة تخبو، تتأثر نفسيا بشدة، وتتوقف عن الظهور، فيختفي التعاطف والتأييد الأوروبي لحالتها كمثال للنضال الفلسطيني، وتختفي صورها وجدارياتها من المدن والعواصم.. لماذا؟ أيضا لن تجد جوابا منطقيا، ولكن هناك جواب بالتأكيد..

نعود للمصطلح الذي وضعناه بالخلفية..

الدبلوماسية الشعبية أو الثقافية..

من وجهة نظر دوائر الاحتلال التي تعنى بالدبلوماسية الرقمية "ثقافية وشعبية" حتى وإن كانت مملوءه بالاكاذيب والتخريف، الا أن هذه الحالات تشكل تهديدا على برنامج عمل هذه الدوائر والمسمى "هسبراه" فإن أي ظهور لرمز أو ترند أو شخصية أو حدث فلسطيني ليلقى تفاعلا وتضامنا إنسانيا في العالم، يعني تحديا قد يصل إلى فشل هذه الهسبراه، ولأن الاحتلال يرفض اي تهديد لروايته فإنه سيبذل جهودا هائلة مصحوبة بتمويل كبير لتحييد هذا التهديد وافشاله.. كيف؟؟

اولا: من خلال الهجوم المباشر من قبل عشرات بل وآلاف الحسابات التي تديرها "الهسبراه" والمنصات الرقمية التي تمتلكها

ثانيا: العملاء، حيث تزخر ساحة منصات التواصل بحسابات حقيقية لأشخاص فلسطينيين، يعملون كعملاء رقميين لدولة الاحتلال، نعم نعم لا تتفاجأ، هم كثيرون وقد يدير كل واحد منهم عدة حسابات بأسماء مختلفه ولها نشاط حقيقي حتى لو كان متقطعا، يفهم منه أي مستخدم أن هذا حساب حقيقي طبيعي منخرط في الشأن العام.

ثالثا: صفات وسمات وطبيعة ردود أفعال مستخدمي المنصات الفلسطينيين، #إن_كنت لا تعلم، فدوائر البحث العلمي في كثير من المؤسسات والجامعات بكيان الاحتلال، تجري بحوثا باستمرار لتدرسنا، تدرس رأينا العام، ميولنا، ردود افعالنا، همومنا، ضغطنا، اخلاقنا، طوشنا، نظام لبسنا الخ الخ الخ .. غبي جدا الاحتلال إن لم يفعل ذلك.

رابعا: سياسات ملاحقة المحتوى الفلسطيني، ونشاط خوارزميات فيسبوك، انستغرام، تويتر، جوجل..الخ فهذه إلى جانب حظر جزء من المحتوى والنشاط الفلسطيني، فهي تتبع سياسات الحد من الانتشار وربما لأحد معظمنا كيف أن المنشورات الهادفة (ومن ضمنها هذا المنشور) تلقى تفاعلا شبه معدوم. جزء منه سببه أنها لا تصل إلى اعداد كبيره مثل تلك التي تصل بها منشورات "يارا الدلوعة" التي تحصد آلاف اللايكات والتعليقات "traffic" عالي.

خامسا: ما أصبح يتغلغلنا من خطاب الكراهية والسخرية العالية والتلذذ بجلد الذات عالطالعة والنازله.

حسنا ساترك لفهمكم وملاحظاتكم تخيل كيف أن هذه الخلطة الخطيرة، عملت وستعمل على قتل واطفاء كل حاله مشابهة قد تؤدي لتعزيز ظهور نضال الفلسطيني في ساحات العمل الرقمي.


السبت، 2 أبريل 2022

رأسه معلق على الأسوار

لا اعلم اصل هذه العباره ولا في اي عصر ومكان، ولكن على الأغلب سمعتها في احد الأفلام التي تمثل عصور الغزو والبربرية في عصور أوروبا الوسطى..

عدو شرس يمثل قدوة للكثيرين، تم قتله بعد جهود حثيثة لانه صار يمثل خطرا على وجود "القاتل" .. ولأن عملية القتل نفسها لا تشكل رادعا كافياً، تم قطع رأسه وتعليقه على سور القلعة ليراه اتباعه وأنصاره، وكان التعليق يتم بمصاحبة إثارة صوتية، من منادٍ يحرك مشاعر الناس السلبية مثل الخوف والقلق واشباههما..

وفي عصور البربرية والغزو، كان مقاتلو بعض القبائل يقطعون رؤوس قتلى أعدائهم ويزرعونها على رؤوس الرماح ويضعونها على حدود ارض القبيلة كعامل ردع وتخويف، لكل الأعداء، أن هنا قد تقتلون ويكون مصير رؤوسكم كهؤلاء.

في عصر "الحضارة"، عصرنا الحالي، لم تختلف الأمور كثيرا، وان كانت اتخذت شكلا أكثر "حداثة"، فقد أصبحت وسائل الإعلام "رماح" هذا العصر، والضحايا لا زالوا هم "أعداء" قبيلة ما،  تفرض عرفها وثقافتها ونظام إرهابها ضد "الأعداء" والخصوم.

واذا اردنا أمثلة حاضرة، عايشناها كلنا، فهناك في ذاكرة الجيل الحديث، شهادتان ماثلتان لم ينسيا بعد، وهما اغتيال رئيس وزراء الاحتلال "اسحق رابين"، وتصفية المعارض السعودي جمال الخاشقجي، فالاول تم اغتياله رميا بالرصاص، وسط حشود محتفلة، في ميدان عام، في قضية هزت مجتمع دولة الاحتلال، وشكلت صدمة للرأي العام المحلي والدولي، والثاني تم قتله بطريقة وحشية في مكان يفترض أنه واحة امان لمواطني الدولة، وهو سفارة بلاده في تركيا، في قضية أصبحت قضية رأي عام في كثير من دول العالم وتحدثت ردود أفعال متفاوتة الشدة من قوى عظمى ودول إقليمية وازنة.

ومثلما كان الأمر في عصور البربرية، لم يكن المحارب الذي يغرز على الرمح راس قتيله، يفعل ذلك اجتهادا، بل كان نتاج ثقافة القبيلة، بل وربما جاز القول ثقافة العصر، ومثلهم لم يكن يجيئال عامير، ولا العسيري والقحطاني، سوى أدوات تنفيذ ثقافة "قبائلهم"، وثقافة العصر "إن جاز لنا التعبير".

إن "قبيلة" التطرف، وإرهاب المستوطنين وسطوتهم، مصحوبا برفضهم الشديد لما شرع رابين بتنفيذه من خطوات نحو التوصل لاتفاق "سلام" مع منظمة التحرير، يتضمن "تنازلات" عن اراضٍ لصالح الفلسطينيين، هذا الاتفاق الذي كان ولا زال مرفوضا بشدة في أوساط واسعة من المؤسسة الصهيونية، والذي في حال تم تنفيذه في حينه فإنه سيعني وضع الحدود أمام سياسة الاستيطان والاحتلال التي تعد جوهر العقلية الصهيونية ومحركها، بل وسبب "شرعية وجودها" كمشروع يتولى قيادة احلام "الشعب" اليهودي، وتحقيق خلاصه.

وربما عقلية "القبيلة" ايضا، حركت مخططي ومنفذي جريمة قتل الخاشقجي، فهو ومن خلال نشاطه كمعارض لحكم آل سعود، ونشاطه بالخارج، قد يكون شكك، بشرعية الحكم في المملكة، وقد استشرفت فيه بعض دوائر الحكم تهديدا متنامية لشرعية هذا الحكم، وان كانت هناك بعض الحيثيات لم تكشف بعد، ومن المرجح أن تبقى أسرارا لفترة طويلة، الا أن ما لا شك فيه هو أن التصفية الوحشية قد حصلت، وتم تحديد معظم المخططين والمنفذين، مع بقاء الغموض يلف شخصية "قائد العملية" وهو من أعطى الأمر بالقتل، الا أن ما حدث صار، وسيبقى علامة فارقة، ماثلة في أذهان من عاصر الحدث منذ أربعة سنوات.

إن اغتيال رابين، أعطى رسالة واضحة جدا لكل سياسيي دولة الاحتلال وقادتها المستقبليين، بثها المستوطنون ودوائر بالمؤسسة الصهيونية _من داخل الكيان ومن خارجه_ مفادها أننا لن نسمح بأن يقوم أي سياسي بالتنازل عن حلم الصهيونية والمستوطنين بالاحتلال والتوسع بل وبالتطهير العرقي الممارس ضد الفلسطينيين.

وبالمثل فقد، بث مخططو ومنفذو قتل الخاشقجي، نفس الرسالة، بأننا لن نسمح بالتشكيك بشرعية الحكم، وسيكون مصير خاشقجي مثالا لمصائر كل المعارضين المشككين مستقبلا.

إننا، والحال هذه، سيكون مستبعدا جدا في المدى المنظور، نشوء حركة معارضة هامة في السعودية، وربما دول الخليج كافة، كما لن يكون هناك أي زعيم أو سياسي بدولة الاحتلال يجرؤ على التصريح أو حتى النية بالسير على خطى رابين في توقيع اتفاقية سلام "عادلة" مع الفلسطينيين.

إن التغطية الإعلامية التي صاحبت كلا الحدثين، ساهمت بشكل كبير في رفع الرمح أكثر، ليرى من مسافات أبعد، ومثلت شاشات التلفزة والصحف ومواقع الانترنت، أسوار القلاع التي عُلّق عليها رأسا رابين والخاشقجي، ولا زال راساهما معلقان على الأسوار، وليأخذ منهما من شاء، ما شاء من العِبَرْ.

*باحث في شؤون الإعلام. اصل هذه العباره ولا في اي عصر ومكان، 

الأربعاء، 2 مارس 2022

خطاب السلطة، وسلطة الخطاب

"خطاب السلطة، وسلطة الخطاب"

في كتابه الشهير والهام "الخطاب والسلطة" لم يتوانَ المفكر العظيم "توين فاندايك" بل واسهب في  نقد المركزية الغربية، ويسِمُها بأنها تُقدِّم النفس بصورة ايجابية، في حين تقدم الآخر بصورة سلبية، فالخطابات المختارة في كتاب الخطاب والسلطة تفيض بهذه الاستراتيجيات لتجميل الذات وتحقير الآخر، والصادرة عن عقلية تبريرية، تتلاعب في الخطاب للوصول إلى مآربها في الهيمنة على عقول المتلقين والفئات المستهدفة، فيلجأ أصحاب الخطاب إلى خُدع وتكتيكات استراتيجية عبر البلاغة وحبْك الخطاب الجدلي، المتلاعب بالألفاظ، والمجترح لاستدلالات مموَّهة، وغيرها من الآليات والإمكانات التي تختزلها هذه الخطابات؛ وصولاً إلى توجيه الحقيقة نحو مسرب محدد يتطلع إليه #مُنتِج الخطاب

إن نفوذ النخب الحاكمة يتحدد بمدى نفاذها للخطاب العام، وهو ما يتحقق بملكية وسائل الإعلام، الإخبارية والترفيهية على حد سواء، فيصبح المالك منتجاً للخطاب الذي يخدم أيديولوجيته، ورؤيته، وبالتالي حتما يخدم مصالحه.

والمتابع للمحتوى الإعلامي حول الأزمة في اوكرانيا، يشاهد جليّا كيف أن ملكية القوى الغربية لوسائل الإعلام الكبرى في العالم، تلعب دورا بارزا في تسويق "رؤية ورأي" هذه القوى للأحداث. 

ومع تعمق قليل نرى أيضا الدور المنافق الذي يلعبه مالكي البنية التحتية للإعلام، خاصة منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقاته، مثل فيسبوك وتويتر وريديت، وغيرها، في عمليتي إبراز وتغييب الخطاب، حسب موقعه من رؤية أصحاب هذه المنصات غير المنفصلة أو المخالفة لرؤية القوى السياسية والمالية الغربية "أمريكا ودول الاتحاد الأوروبي" وحلفاؤهم كذلك، وان كانوا لا يبتعدون كثيرا عن دور "الأتباع المخلصين" الذين لا يحيدون عن سياسة "السيّد" بل لا يملكون مثل هكذا قرار..

لقد أظهرت الأزمة الأوكرانية بشكل جلي، خاصة لنا نحن المستضعفون العزّل، ولكن أصحاب الحق، كمية وعمق النفاق، والعنصرية والكذب، الذي يميز سياسة هذه الدول، ويظهر جليّاً في خطابها الإعلامي، بل وفي ممارساتها الفعلية، حيث لا تَساوٍ بين البشر من وجهة نظر هذه القوى، فهناك الجزء المتحضر والمتمثل بالرجل الأبيض الغربي، وهذا له مجموعة من الاعتبارات والقيم، وهناك بقية العالم "الأدنى قيمة" والذي بدوره له مجموعة مختلفة من الاعتبارات والقيم، تبقيه أدنى دائماً

هنا نعود إلى تحليل وافكار "فاندايك" لنرى كيف أن الخطاب سلاح خطير، يحوز مالكيه الحاليين، سطوة هائلة في تغيير الرأي العام، وتشكيله وتوجيهه، بينما يقف المتلقون، عزّلا، الا من آراء محدودة الانتشار، بل ومحاربَةً من قبل أباطرة المنصات الاجتماعية، ومغيّبة عن الظهور على الشاشات وصفحات الجرائد واسعة الانتشار.

وهنا مجال للتساؤل، اذا كانت هذه الدول التي تروّج للديمقراطية والحقوق والمساواة وقيم العدل، تخالف في ممارساتها كل ما تسوّقه لنا، فما حال بقية الأفكار والقيم "البضائع" التي تسوقها في المجتمعات "المتخلفة" مثلنا "حسب تصنيفهم".

ختاماٌ، هناك قول معروف وهو "من يدفع للزمّار يختار اللحن" وهنا نحن في وضعٍ فيه الزمار والمزمار واللحن والممول هم كيان واحد متناغم.. والمعزوفة برغم #نشازها الجليّ، إلا أن كثيرا من الجماهير تصفق وتتمايل طرباً.


*باحث في شؤون الإعلام والمجتمع