السبت، 22 يونيو 2024

الشقراء والسمراء، والعنف الرمزيّ


في مقهى شعبي بمدينة رام الله كنت أدخن شيشتي وتصلني أحاديث بعض الطاولات المجاورة، حيث تفتقد هذه الأماكن غالباً للخصوصية، فلا أحد يهمس، بل يتناقشون ويسردون بصوت عادي يصل لمسافة أمتار، على خلاف الكافيهات التي تكون الرؤوس مقتربة من بعضها وتتبادل الهمس أو الحديث بصوت هاديء، المهم سمعت أحدهم يقول بنبرة تحدي، "قلتلك بتقدروش علينا، هي جبنا فيكم ثلث جوال، ولولا الحكم معكم كان صرن خمسة والّا ستة"، سالت النادل، مع أي فريق بلعب الأخ إذا بتعرف؟ _وكنت لوهلة اعتقده لاعبا باحد الاندية بالدوري الفلسطينيّ_ ضحك نادلنا البشوش، وقال، بلعبش، بس بشجع الريال، فغمزت للشاب المتحدث بعيني وقلت له "شكلكم كاينين محضرين فريقكم للمباراة مليح؟" فانتشى وقال "اه نزلنا فلان عالهجوم وعززنا خط الوسط بفلان، وضغطنا على فلان" (وهذا الفلان طبعا لاعب هداف بالفريق الخصم)، والسنة الدوري إلنا.

كيف صار مشجع فلسطيني يتحدث بهذا الإنخراط والإنتماء، عن فريق إسباني، لا أحد منهم يعرفه، أو سمع باسمه وعلى الأغلب لو ذهب للملعب سيطردونه بالشلّوط، ما لم يشتري تذكرة المباراة؟

البحث عن الهوية الاجتماعية

يتشكل جزء كبير من هويتنا من خلال المجموعات الاجتماعية التي ننتمي إليها - البلد الذي نأتي منه، أو الطبقة الاجتماعية والعائلة التي ننتمي إليها، الحزب السياسي الذي نؤيده، أو فريق كرة القدم الذي نشجعه، أو حتى ما نأكله (نباتيون، ام لحميون). هذه المجموعات هي مصدر فخر واحترام للذات، تجعلنا نشعر بالأمان، وتجعلنا نشعر بأننا ننتمي لذات أكبر، تعزز احترامنا لذاتنا، ونكون فخورون بعضويتها.

لسوء الحظ، نحن لا نتوقف عند الشعور بالانتماء إلى مجموعة بل نميل إلى المضي قدمًا "التصعيد والمبالغة" ونبدأ في رؤية مجموعتنا (نحن) على أنها أفضل، ونميز بين الأعضاء الخارجين عن المجموعة (هم) لتحسين صورتنا الذاتية، نقوم بتعزيز صورة مجموعتنا (ريال مدريد أفضل فريق في العالم!)، ونبدأ في التمييز ضد المجموعات الأخرى (برشلونة فريق متخلف، وعنصري)

إذا واجهت تحديًا أو صراعًا صعبًا، فربما شعرت بعقلية "نحن ضد هم". فمهما كان مصدر التوتر، فهو يقودك لاتخاذ موقف دفاعي ، ستشعر على الفور بالحاجة إلى تعزيز نفسك، من خلال تحديد الطرق التي تكون فيها أفضل مما تواجهه (المجموعة الاخرى)، وهذا قد يؤدي إلى تحيز عميق ضد الآخرين نحن نميل بشكل طبيعي إلى تصنيف الناس إلى فئات، وعندما نفعل، فإن ذلك يساعد عقلنا على معالجة أين وكيف نتلاءم مع المواقف الاجتماعية المختلفة، وتشمل الطرق التي نجمّع "نصنف" بها الأشخاص ما يلي:

الدين، العرق، الموقع  الجغرافي، الطبقة الاجتماعية، الحزب السياسي، مجموعات الرأي.. إلخ، وتمر هذه العملية بثلاثة مراحل حسب النظرية:

المرحلة 1: التصنيف الاجتماعي.

نحن نرى العالم كمجموعات اجتماعية، ونرى الناس كأعضاء في هذه المجموعات، لاحظ فقط كيف نقدم أنفسنا عادة للغرباء: مرحبًا، انا يوسف من جنين، انا روان من جامعة بيرزيت، أنا ربيع استاذ تاريخ، الخ.

المرحلة 2: تحديد الهوية الاجتماعية. 

ولأننا نرى العالم كسلسلة من المجموعات الاجتماعية المختلفة، فإننا نتماثل تلقائيًا مع بعضها ولا نتماثل مع الآخرين، فنرى انفسنا اعضاء في مجموعة اجتماعية _او اكثر حسب الموقف_ ونتصرف على هذا الاساس.

المرحلة 3: المقارنة الإجتماعية. 

قارنّا هذه الفئات الاجتماعية. إذا كانوا مجموعات ننتمي إليها، فإننا نركز على الخصائص التي توحدنا. إذا كانوا مجموعات لا ننتمي إليها، فإننا نركز على الميزات التي تميزنا عنهم، او الميزات التي تجعلهم مختلفين.

كيف نستخدم "نحن ضد هم". 

في أي وقت نشعر فيه بالتهديد، او التوتر، من شيء ما، فأنت تريد أن تشعر بالتفوق والقوة وأنك أفضل ممن تواجه، تريد أن تشعر بتحسن تجاه نفسك، علما ان تصنيف الأشخاص ليس بالضرورة أمرًا سيئًا، الى أن تستخدم هذه التصنيفات لاستبعاد الأشخاص، حتى بدون قصد من دائرتنا.

أنت تضع نفسك في مجموعة واحدة و"عدوك" المتصوّر في مجموعة بديلة، ثم تقول لنفسك أن المجموعة التي أنت فيها هي الأفضل والمجموعة "الأخرى" هي التي تسبب المشاكل، او انها اقل قدرا، (مثال مشجع الريال باول المقال)

حتى الأشخاص الذين تم تقسيمهم إلى مجموعات بناءً على ميزات غير مهمة مثل لون العين، أو حوادث عشوائية مثل رمي العملة المعدنية، يبدأون على الفور في إظهار السلوكيات التي تفضل أعضاء المجموعة ويبدأون في التمييز ضد الأعضاء خارج المجموعة.

تأثير تجانس المجموعة الخارجية هو ميلنا إلى إدراك أعضاء المجموعة الخارجية على أنهم أكثر تشابهًا وأكثر تجانسًا من أعضاء المجموعة الواحدة.

في المواقف القصوى، لأن مكسيكيا قام  بسرقة متجر مرة واحدة، فهذا يعني أن "هم" جميعهم لصوص، أو ان جميع المسلمين ارهابيين انطلاقا مما يعرف بالاسلاموفوبيا، فقد فجر مسلمٌ ما مكانا ما قبل سنوات، وهذا يعني ان "هم" جميعا إرهابيون.

التحيز رقم 2: الصور النمطية

الأمثلة المذكورة أعلاه هي بالطبع أمثلة على الصور النمطية التي نعرفها جميعًا جيدًا. الصور النمطية ليست أكثر من معتقدات مفرطة التعميم حول فئات معينة من الناس.

تنشأ المشاكل عندما لا ندرك أن مثل هذه الصور النمطية هي مجرد اختصارات عقلية - نوع من التحيز المعرفي - ونبدأ في المبالغة فيها.

التحيزات رقم 3 ورقم 4: الإدراك الانتقائي والتحيز التأكيدي

الإدراك الانتقائي:  هو ميلنا إلى تجاهل ونسيان المعلومات التي تتعارض مع معتقداتنا. ونتيجة لذلك، حتى لو رأينا سلوكًا إيجابيًا يظهره عضو من خارج المجموعة، فإننا لا ننتبه إليه، وبدلاً من ذلك، فإننا نخرج هذا التصرف من أذهاننا أو نقوم بتبريره بطريقة او بأخرى، على سبيل المثال، نرفضها باعتبارها حالة استثنائية، مما يفقدها اهميتها.

الانحياز التأكيدي: هو ميلنا إلى تفضيل المعلومات التي تؤكد توقعاتنا ومعتقداتنا الحالية، بغض النظر عما إذا كانت المعلومات صحيحة أم لا. ويدفعنا للبحث عن المعلومات في المصادر التي تؤكد آرائنا.

الاعلام هذا العدو الحميم

ليس هذا النهج من السلوك والتفكير جديث النشأة والظهور، وان كانت التسمية والنظريات التي تناولته حديثة، بل ربما صاحب النشاط البشري منذ ان بدأ الانسان حياة الجماعة، وبدأت الاسرة والقبيلة تهيمن على الجو الاجتماعي العام، فقد توارثت العرب على سبيل المثال اقوالا تؤكد وجود نهج "نحن ضد هم"، فأنا من غزيّة إن غوت غويت، وكل فتاة بابيها معجبة.. الخ من اقوال وقصص تؤكد التعصب لعائلة او عشيرة ضد أخرى، سواء لدى العرب او لدى العجم، فالاسبارطي محارب متهور لا يستمع للمنطق بنظر الأثينيين، والأثيني لا يصلح للحرب وقادته يرتدون الاثواب البيضاء ويدعون الحكمة في نظر الإسبارطيين، ولسنا بصدد سرد امثلة تاريخية الا بهدف الايضاح.

لقد شكل الإعلام حاضنة ومؤججاً لهذا النمط من السلوك والتفكير، منذ قديم العصور، ولهذا ربما نشأ ونما شعر الفخر وشعر الهجاء، ذلك في الوقت الذي كان فيه الشعر أحد ابرز وسائل الاعلام والتأريخ لمراحل واحداث عاصرها الشاعر، ودونها شعراً، إما متطوعاً، أو مستاجراً، لتنتقل عبر البلاد والعباد.

مع تطور المدنية وما واكبه من تطور في وسائل الاعلام، وانتشارها وتنوعها، اصبح دور الاعلام  اكثر تاثيراً وشراسةً، فقصيدة الهجاء استغرقت اشهرا وربما اعواما لتحقق بعض الانتشار الذي تحققه تغريدة ما، خلال دقائق معدودة إن لم يكن ثوانٍ، وتحصل على استجابات مؤيدة ومتبنية للمعنى من جماعة "نحن"، بينما تحصل على استجابات مستنكرة رافضة من جماعة "هم"، ليس هذا فقط بل انك اصبحت لا تعلم من كتب التغريدة نظرا لصفة المجهولية في وسائل الاعلام الحديث، في الوقت الذي كان اسم الشاعر او الحكواتي يسبق قصيدته او سرديته، وإضافة لبعض خصائص الاعلام الحديث الى جانب المجهولية، كالسرعة، والتفاعلية، واتساع مدى الانتشار، اضافة للقدرات الممنوحة للمستخدمين من اجل اغراق وعي المتابعين وحواسهم بالاف التغريدات والاخبار "صادقة وكاذبة"، فقد زادت مظاهر استقطاب المجتمعات، وتنوعت القضايا التي تقود لهذا الاستقطاب او تؤججه، فبعد ان كان التماهي مع القبيلة اهم واكبر الاسباب، وربما كان السبب الوحيد منذ عقود مضت، اصبح الاستقطاب يشمل قضايا واسعة ومتنوعة، ولكن بنفس عقلية القبيلة الموروثة في المجتمعات البشرية متقدمة كانت ام بدائية"، لنجد الامر تحول من قبيلة النسب بالدم، الى قبيلة الكترونية، لا يعرف افرادها معظم الافراد الآخرين، لكنهم يتبنون نفس الافكار نحو قضية ما، وربما كانت هذه الافكار هي المشترك الوحيد بينهم، فلا يجمع بين موزمبيقي وفلسطيني وإكوادوري، سوى تشجيعهم لريال مدريد او برشلونة مثلا، الا انهم يمارسون نفس السلوك بمدىً او باخر، وهذا ينطبق على الافكار الاقتصادية والدينية والسياسية، او حتى في تفضيل السمراوات او الشقراوات.

المتابع لمنصات التواصل الاجتماعي، ومستخدميها العرب يلاحظ منذ فترة ليست بعيدة، تنامٍ شرس لنهج " نحن ضد هم" فتجد التراشق المبني على الجنسية او الطائفة سيد الموقف حول اي موضوع حوار، فيكفيك ثلاثة دقائق بالمتوسط _حسب ملاحظاتي_ كي تحول النقاش الى تراشق كلامي يصل الى التخوين والتجهيل، ومعايرة الجنسية الاخرى بنقائص دولتها، حتى لو كانت هذه النقائص متخيلة في ذهن شريحة واسعة من جنسية عربية اخرى، وصل الوضع من السوء والخطر، الى المستوى الذي بات فيه خطاب الكراهية، والعنف الرمزي، يشكل عصب حركة الحوارات على المنصات التفاعلية، بحيث اصبح أي حديث عن وحدة عربية حول قضية ما مجرد خيال، والحديث عن قومية عربية واحدة، نكتة فانتازية سمجة، يضحك عليها الصديق والعدو على حدٍ سواء.

فلسطينيا، الوضع للأسف اسوأ بكثير، وكثير جداً، فقد لا نجد ما يشترك به العرب سوى اللغة التي يتكلمونها، وبعض العادات المتشابهة، لكننا بفلسطين، من المفترض اننا نتشارك ما هو أعمق وأهم، وهو الوجع الناتج عن الاحتلال، كوجود يعمل على إلغاء وجودنا كشعب، وممارسات الاحتلال القمعية والعنصرية، تجاه كل ما هو فلسطيني، بشرا كان ام حجرا، ام ثقافة وتاريخ.

شكل الاستقطاب جزءا من بنية المجتمع الفلسطيني، اسوة ببقية مجتمعات العالم، واتحدث هنا عن الاستقطاب السياسي، لكن النقلة الأسوأ حدثت بعد الانقلاب الدموي في قطاع غزة وما تبعه من انقسام، لم يعد انقساما سياسيا حول حزبين يتنازعان السلطة، بل وصل الامر الى وجود حالة من الانفصال بين انصار التيارين، سياسياً، فكرياً، جغرافياً، وجوانب اخرى كثيرة، انفصال عززته جولة العدوان الوحشي الحالية على قطاع غزة، وما عليك الا ان تدخل بثا من بثوث التيكتوك ذات المحتوى السياسي او الاجتماعي، او ان تدخل مجموعة حوارية على فيسبوك او تويتر، لترى كم يبدع "نحن" في كراهية "هم" او العكس، وكيف يمتلك كل طرف القدرة على التقوقع على آرائه وافكاره، مغلقا عقله تماماً، أمام أي رأي أو خبرٍ، أو معلومة لا تتماشى مع ما يعتنق من افكار وآراء، وكم يصبح هذا الطرف أو ذاك عدوانياً جدا، وعنيفاً تجاه من يتبنى رأيا مخالفاً، او يتموضع في مجموعة "هم".

اعتقد ان الأمر اصبح مدمرا، وأخشى ان الوقت يمضي بسرعة، نحو نقطة يصبح الحديث فيها عن وحدة فلسطينية، نكتة سمجة يضحك لسماعها "نحن" و "هم"، بينما يقبع شلومو في ركنه الخاص مقهقهاً، يقتل مزيدا ويصادر المزيد، ويضيّق هنا، فيشمت هناك..

كيفية التغلب على "نحن ضد هم"

الامر ليس سهلا، فهو بالدرجة الاولى يحتاج الى مستوى مرتفع من نضج الشخصية ونمط التفكير، ولكن هناك بعض التكتيكات التي قد تساعد في التخفيف من اثار هذا النمط السلوكي، لن اخوض في هذه التكتيكات هنا، فمشوار الى جوجل سيظهر كثيرا من المقالات التي تناولت الموضع خاصة باللغة الانجليزية، لكني سأقول حول الحالة الفلسطينية، حبذا لو ننضج جميعا الى الدرجة التي نبحث فيها عن نقاط التشابه اكثر من ابتكارنا لنقاط الخلاف والاختلاف، وحبذا لو تذكرنا اننا جميعا تحت احتلال عنصري استيطاني وجوديّ، وربما اتفائل قليلا واقول حبذا لو تذكرنا ان هناك تناقضا جوهريا وحيدا وهو تناقضنا الوجودي مع الاحتلال، حتى نصل للتحرير، وبعدها ليأكل بعضنا بعضنا لاخر، ولكن على الأقل دون شماتة وتخطيط من شلومو ومشتقاته.

متشائم وأبالغ؟ أتمنى ذلك

#ملاحظة: لا علاقة لهذا المقال بالسمراوات ولا بالشقراوات الا بالموضع الذي ذكرن فيه.

عبدالله زماري

باحث في الاعلام والرأي العام

الثلاثاء، 5 مارس 2024

هندسة أعمار الغزيّين: جبهة حرب خفيّة

 كتب عبدالله زماري*

هندسة أعمار الغزيّين: حسم حرب المستقبل

طالما شكل الإستيطان، عصب الحركة الصهيوينة، وعليه فإن صراع الفلسطيني ضد الصهيوينة يتمحور حول معادلتين لا تنفصلان، هما الأرض والسكان، تسعى الحركة الصهيوينة للتحكم بهما بشكل كامل، وأبدي، فمنذ المؤتمر الصهيوني الأول، ابتدأت حرب حول الأرض لم تنتهِ، حتى الآن، مع فترات جزر ومد، ربما كان أقساها هو العدوان الحربي الحالي الذي تشنه قوات الإحتلال، على قطاع غزة والضفة الغربية، مع تفاوت في الكثافة والشدّة.

 وكما الحرب، فإن الإستيطان لم يتوقف، منذ وطئت قدم أول مهاجر يهودي أرض الشعب الفلسطيني، وأيضا مع موجات جزر ومد، حسب الظروف الدولية، أحياناً، وحسب حركة الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ولظروف أخرى، ليس هنا مجالها.

الفصل بين معادلتي الأرض والسكان، أمر صعب التحقق، لذا لا بد من النظر إلى كل ممارسات وسياسات الإحتلال من خلال منظور هاتين المعادلتين، ولإن "أشد الأوجاع حاضرها"، كما نُقِلَ عن \الرسول "ص"، لا بد من النظر الى عدوان الإحتلال الحالي، من نفس المنظور، منظور الأرض والسكان، مع مراعاة الجدل الحاصل، بين أكثر من رأي حول الهدف الاستراتيجي للإحتلال، ما بعد حرب غزة بما يتعلق بالأرض والسكان، فهناك رأي يقول أن الإحتلال يسعى لتهجير السكان قسرًا تحت القصف والجوع والمعاناة، من أجل إفراغ الأرض من السكان، تمهيدًا لإعادة إحتلالها واستيطانها، ورأي آخر يقول أن الإحتلال لا يسعى لإعادة استيطان أرض قطاع غزة، لكنه يهدف فقط لتهجير نسبة كبيرة من السكان لضمان أن لا يضطر الإحتلال لخوض حربٍ أُخرى هناك، أو أن لا تشكل غزة أي تهديد لدولة الإحتلال في المستقبل المنظور،  يدعّم أصحاب الرأي الأول موقفهم، من خلال توجهات اليمين الديني وأحزاب المستوطنين، الذين يشكلون الإئتلاف الحاكم في دولة الإحتلال، هؤلاء يعتبرون الإنسحاب من غزة، سابقاً، خطأً استراتيجياً، لا بد من تصحيحه، بينما يعتبر متبنّي الرأي الاخر أن الإحتلال لو كان يريد غزة، ما انسحب منها في البداية، لسنا نرجح أحد الرأيين هنا على الآخر، ولكننا نحاول تقديم مقاربة على صعيد مختلف، وإن كنا نميل قليلاً إلى الرأي الثاني في بعض الجوانب.

نرى في مقاربتنا، أن الإحتلال يسعى إلى عملية "جَزَّ عُشبٍ" عميقة وطويلة الأمد والأثر، تضمن كما أسلفنا، أن لا يشكل قطاع غزة أي تهديد أمني أو عسكري على دولة الإحتلال لسنوات طويلة، قد تصل إلى عشرين عاما وأكثر، يراهن الإحتلال خلالها على قدرته _بمساعدة أطراف أخرى_ على إحداث ما يلزم من تغييرات إجتماعية وسياسية واقتصادية، خلال هذه السنوات، تجعل اختفاء هذا التهديد بشكل كامل، أو تخفيفه إلى الحد الأدنى المقبول، أمراً قابلاً للتحقيق.

نناقش تالياً، بشكل تقديري، جوانب تتعلق بمعادلة السكان في قطاع غزة، تماشياً مع ما ورد أعلاه، ونتحدث هنا عن مقاربة هندسة التركيبة السكانية في قطاع غزة، وتأثير ذلك على جوانب مختلفة في الصراع مع الإحتلال.

 هندسة التركيبة السكانية للشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وليس التهجير القصري قد يكون الهدف الاستراتيجي للإحتلال، في حربه على قطاع غزة، حيث باعتقادنا أنه بالعقدين القادمين ستميل تركيبة سكان قطاع غزة إلى الكهولة، بديلا للتركيبة الحالية التي تعرف بانها تركيبة بأغلبية شابة.

يستهدف الإحتلال في عدوانه، الأطفال والنساء بشكل متعمد، بالقتل والإبادة، في "إبادة قطاعية"، وهو ما يفسر ارتفاع نسب شهداء العدوان من بين الأطفال والنساء، قياسا للعدد الكلي من الضحايا، وهو أمر يشير إلى أن أمامنا عقدين من الزمن، يحملان تغييرا حادا في التركيبة العمرية لسكان قطاع غزة، وذلك بسبب إبادة الأطفال _شباب الغد_ قتلاً، أو بسبب المجاعة والأمراض، الناتجة عن ظروف الحرب وما بعدها، وهي نفس ظروف الحرب، التي سيحدث بسببها تراجعٌ في نِسب المواليد ومعدلات الخصوبة، بسبب استشهاد نسبة كبيرة من القادرات على الإنجاب، بسبب الموت والظروف الصحية المصاحبة والتالية للحرب، ولنرى الصورة كاملة بها الجانب، فإن النسب العالية لقتل الأطفال، تشمل الذكور والإناث "المقبلات على سن الإنجاب خلال سنوات قليلة. نشير هنا إلى أن معدلات الخصوبة في فلسطين، تشهد انخفاضات متتالية، دون الأخذ بالحسبان تأثيرات العدوان الحالي، فبعد أن كانت نسبة الخصوبة في عام 1990، تناهز نسبة (6.4) نجدها انخفضت في العام 2022 إلى (3.6)، بينما ارتفعت نسبة الخصوبة لدى الإحتلال ارتفاعا طفيفا من (2.82) عام 1990، إلى (2.9) عام 2022، مع االأخذ بالحسبان أن هناك زيادة إضافية لعدد سكان دولة الإحتلال، مصدرها هجرة اليهود من عديد دول العالم، إلى فلسطين المحتلة.

على المدى الطويل، يمكن أن تؤدي أي حرب إلى انخفاض عدد السكان نتيجة للآثار المباشرة وغير المباشرة للصراع، وتشمل الآثار المباشرة الإصابات الجسدية والوفيات، مما يقلل من عدد الأمهات والآباء المحتملين، وتشمل الآثار غير المباشرة تعطيل أنظمة الرعاية الصحية، والأوضاع النفسية المأساوية واسعة النطاق، ونزوح السكان، والعواقب الإقتصادية للحرب، والتي يمكن أن تؤدي إلى انخفاض مستويات المعيشة وانخفاض إمكانية الوصول إلى الضروريات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية والتعليم، تحمل الآثار الخفية، أو البَعديّة للحرب، أخطاراً اكبر _ربما_ من تلك التي تحملها العمليات العسكرية المباشرة، وإن كان تركيز السياسيين والعسكر ينصب على المكاسب والمخاسر السياسية والعسكرية للحرب، فإن الإنتباه الاكبر باعتقادنا لا بد ان ينصب على بعض الآثار الخفية، والمؤجلة للحروب، تلك الآثار التي يندرج بعضها في إطار المسكوت عنه، فلا أحد يرغب بإثارته، خاصة في مجتمعات محافظة، لها خصوصاتها الثقافية والقِيَميّة.

من المتوقع أن يرتفع معدل الفقر بشكل حاد، بنسبة تتراوح بين 20 و45 في المائة تبعاً لمدة الحرب، ومنذ بداية الأسبوع الثالث من الحرب، تشير التقديرات إلى أن جميع سكان غزة تقريباً قد أصبحوا فقراء متعددي الأبعاد (96 في المائة) استناداً إلى مؤشر الفقر الوطني متعدد الأبعاد[1]

الفجوة في تركيبة الأعمار، وميل الميزان لصالح فئة الشيخوخة، في قطاع غزة، ستعززها بالمقابل حركة واسعة للهجرة الطوعية، وهو أمر متوقع نتيجة انعدام سبل الحياة في القطاع، ما بعد الحرب _مهما كنت نتيجة الحرب_ حيث يتوقع حدوث موجات هجرة طوعية كرد فعل على الدمار والخراب وانعدام أي فرصة لتوفير سبل حياة جيدة، ولو بالحد الأدنى، والحقيقة شبه المؤكدة أن المهاجرين سيكونون من فئة الشباب الباحثين عن حياة كريمة، وتحقيق القدرة على إعالة أنفسهم وأسرهم، وهو ما يعني أن نسبة لا باس بها من الشباب سترحل مع عائلاتها، الحالية، أو سيكوّنون عوائلاً في الشتات.

الفجوة العمرية القادمة بشكل شبه مؤكد على قطاع غزة، ستعني غياب أي شكل للمقاومة ولو بحده الأدنى، ولكن ليس هذا الاثر هو الأخطر على القطاع، حيث ستؤدي آثار الهجرة "الشابة" إلى تراجع وضعف كبيرين في مختلف قطاعات الإنتاج، سواء الإقتصادي أو الأكاديمي، مع زيادة "الإعتمادية"، فالمجتمع غير المنتج، سيحتاج إلى مستويات أكبر من الإعانات، والدعم الخارجي، وهو ما يضر مستوى المعيشة الفردي والجماعي، طالما بقيت عجلة الإنتاج مختلّة، ومن غير المتوقع، ان يكون هناك حركة عودة للقطاع من قبل اولئك المهاجرين، خاصة من استطاع منهم تكوين أسرة، والإنخراط في عجلة الإنتاج في دول التواجد.

يضاف لذلك، جانب مهم جداً، وهو الآثار النفسية التي ستخلفها الحرب، والتي ستتراكم مع آثار الحروب السابقة، وانعدام الأمان الراسخ في وعي سكان القطاع، كنتيجة لكل هذه الحروب والأزمات والظروف غير المستقرة، حيث الإنسان بطبيعته البشرية يسعى نحو الأمان والإستقرار، ومن المستبعد أن يفكر "الآمن" بالعودة إلى مكان لا يشعر فيه بأدنى مستويات الأمان على نفسه وأسرته وممتلكاته.

 

*عبدالله زماري، باحث في شؤون الإعلام والمجتمع



[1]  الإسكوا، 2023