الخميس، 25 يونيو 2026

آليات إنتاج "الوعي القمعي" في السياق الفلسطيني

عبدالله زماري، باحث في الإعلام والرأي العام، وتحليل الخطاب

يُعد مفهوم الوعي القمعي من أكثر المفاهيم حساسية وإرباكاً في السياق الفلسطيني، لأنه يلامس نقطة التقاطع بين مشروعية التحرر الوطني، من جهة، وآليات الهيمنة الأيديولوجية داخل المجتمع نفسه من جهة أخرى، فحين يعيش مجتمع ما، تحت استعمار طويل، وحصار متعدد الأبعاد، يصبح نقد البنى الداخلية للسيطرة، مسألة شديدة التعقيد: إذ كيف يمكن مساءلة خطاب يرفع لواء المقاومة، أو يتكئ على رمزية الدين، دون أن يُفهم ذلك بوصفه طعناً في القضية نفسها؟ هنا تحديداً يتشكل المجال الخَصْب لإنتاج وعي مقولب، يتماهى مع أدوات القمع بدعوى حماية الثوابت، فيتحول جزء من المجتمع – عن غير وعي في الغالب – إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة، بدل أن يكون فاعلاً في كسرها، او على الأقل حريصا على حماية التعددية وحرية التفكير والتعبير.

نحاول تالياً، تفكيك آليات إنتاج "الوعي القمعي" في السياق الفلسطيني من خلال رصد عدد من التكتيكات الخطابية والعملية التي تتقاطع فيها العقيدة مع السياسة، وتتعانق فيها قداسة المقاومة مع احتكار قرارها، بما يجعل أي محاولة للنقد أو المراجعة تبدو في نظر قطاعات واسعة من الجمهور نوعاً من الخيانة أو التجديف.

الوعي القمعي:

لا بد قبل الغوص في تفكيك اليات إنتاج الوعي القمعي، أن نفهم عما يدور الحديث، في كل مرة نكتب فيها هذا المصطلح، فالمعنى الذي يتبناه الكاتب للوعي القمعي هو: مجموعة المعتقدات والمواقف والسلوكات الجماعية التي يُظهر فيها الأفراد استعداداً لتبرير قمع الآراء المختلفة، والدفاع عن السلطة/الجماعة المهيمنة، وممارسة التخوين أو النبذ أو الإسكات بحق المخالفين، باعتبار ذلك حمايةً للدين أو الوطن أو مشروع الجماعة السياسي.

بمعنى ادق، فالوعي القمعي، حالة ذهنية واجتماعية، يصبح الإنسان فيها:

1. ينظر إلى السلطة المهيمنة (سياسية، دينية، حزبية أو اجتماعية) بوصفها المصدر الحصري للحقيقة والشرعية والمعيار الأخلاقي.  

2. يفسّر أي نقد أو اختلاف مع الحركة لا كحق مشروع، بل كتهديد أو خيانة 

3. يمارس رقابة مشددة على أفكاره وتعبيره خوفاً من النبذ أو الاتهام، فيكبت ميوله النقدية بنفسه.  

4. يتحول من مجرّد خاضع للسلطة إلى رقيب على الآخرين، فيشارك في تخوينهم وتشويههم وإسكاتهم، معتقداً أنه يحمي الدين أو الوطن أو الجماعة.

آليات إنتاج الوعي القمعي

لا يمكن بسهولة حصر كل آليات انتاج الوعي القمعي، في المجتمعات كافة، حيث لكل مجتمع خصوصياته الثقافية والتاريخية والسياسية والقِيَميّة، ولكننا سنحاول مناقشة ابرز آليات تكوين هذا النوع الخطير من الوعي، في المجتمع الفلسطيني، وقد يقاس عليه ما يجري في المجتمعات العربية من انتاج او محاولة إنتاج هذا النوع من الوعي الذي يحوّر الوعي الجمعي ويحتكره منتجاً وعيا قمعياً، سبق تعريفه، وأبرز هذه الآليات هي:


أولا: تقديس السياسي واحتكار المشروعية الأخلاقية

يتصدر هذه التكتيكات دمج الفاعل السياسي بالمدلول الديني، بحيث لا يعود القرار الحزبي مجرد اجتهاد بشري قابل للأخذ والرد، بل يُغلَّف بصبغة الواجب العقائدي والالتزام الإيماني، هذه الآلية تعيد تشكيل الوعي من خلال نزع المشروعية الوطنية والأخلاقية عن أي صوت معارض؛ فالمخالفة السياسية لا تُصنَّف كوجهة نظر مختلفة، بل تُربط نفسياً بالوهن في العقيدة أو الارتهان لأجندات خارجية، او الخيانة لصالح المحتل، ومع الوقت، لا يعود المواطن بحاجة إلى من يقمعه من الخارج؛ إذ يكفيه الشعور بالذنب الديني أو الوطني كي يمارس على نفسه رقابة ذاتية قاسية تمنعه من التفكير النقدي أو الجهر بالاعتراض، أو حتى التفكير بشكل مختلف عن "الجماعة".


ثانيا: احتكار سردية المقاومة وربطها بالهوية الفرعية

يتجلى تكتيك آخر، في إعادة صياغة التاريخ النضالي الفلسطيني المشترك وتأطيره داخل مصفوفة أيديولوجية بعينها، فيتم تقييد الوعي الجمعي هنا عبر تكريس فكرة أن المقاومة، باعتبارها جوهر الهوية الفلسطينية، قد وُلدت أو تبلورت حصراً مع صعود تيار محدد، بذلك يُهمَّش الإرث التعددي للحركة الوطنية الفلسطينية، الذي ساهمت فيه تيارات قومية ويسارية ووطنية مستقلة، هذا الاختزال الخطير، يحوِّل الهوية الجامعة إلى هوية فرعية مشروطة بالولاء الفكري للتيار المهيمن؛ فمن لا ينتمي إلى هذه الدائرة الأيديولوجية يُستبعَد ضمناً من دائرة الشرعية النضالية، بل يجري تخوينه، مهما كانت تضحياته أو التزامه الوطني.


ثالثا: التوظيف الرعائي وبناء التبعية الهيكلية

في وطن يرزح تحت الاحتلال، وممارساته العنيفة وسياساته الهدامة، ومع ما يرافق ذلك من ضغوط وانهيارات اقتصادية وضعف مؤسساتي، يصبح ملء الفراغ الخدمي والاجتماعي أداة فائقة الفاعلية في تشكيل الوعي، عبر شبكات العمل الخيري والإغاثي، تتشكل منظومة رعاية لا تقتصر على تقديم الدعم المادي، بل تربط بين البقاء المعيشي والانضباط السياسي، وبمرور الزمن، يتكوَّن وعي جمعي يرى في موارد العيش امتداداً لسلطة سياسية أو تنظيمية بعينها، فتصير القدرة على النقد أو التمرّد الفكري مهددة بثمن اجتماعي ومعيشي باهظ، هكذا يتحول الاحتياج الإنساني الطبيعي إلى أداة ضبط ناعمة، تجعل الصمت شكلاً من أشكال الحماية الذاتية، ربما يلاحظ هذا كثيرا في الضفة الغربية، لكنه برز بشكل لافت في قطاع غزة خلال حرب الإبادة الحالية، وبشكل اقل بروزا خلال سنوات الحصار التي اعقبت انقلاب حركة حماس على الشرعية واستئثارها بحكم قطاع غزة بالقوة والبطش، ومن هنا، ربما، نجد هذا التفاوت الكبير في الفهم وتقدير الأمور، ما بين مواطني قطاع غزة من جهة، ومواطني الفة الغربية، وبشكل اكثر تباينا فلسطينيي الشتات، من جهة أخرى.

رابعا: هندسة الفضاء العام وفرض الرقابة القيمية

من بين أخطر آليات إنتاج الوعي القمعي تلك التي تعمل على إعادة تشكيل المظاهر الاجتماعية والثقافية في الفضاء العام باسم حماية الأصالة أو صون النسيج الأخلاقي. هنا لا يُجرى ضبط السلوك من خلال نصوص قانونية مباشرة فحسب، بل من خلال منظومة قيمية تجرّم أنماطاً معينة من الوجود الثقافي أو التعبير الاجتماعي، وتُقصي المختلف تحت لافتة المحافظة على الثوابت، وتكمن خطورة هذا التكتيك بأنه ينقل أدوات القمع من يد السلطة السياسية إلى يد المجتمع نفسه؛ إذ يتحول الأفراد إلى رقباء على بعضهم بعضاً، فيحرسون بوابات اللباس والكلام والفن والنقاش العام، في هذه اللحظة تحديداً، يصبح الوعي القمعي جزءاً من البنية الثقافية اليومية، لا مجرد قرار فوقي عابر.

خامساً: تعزيز وتغذية نمط التفكير بالتمنّي

يتجلى استخدام "التفكير بالتمني" كآلية لإنتاج الوعي القمعي في المجتمع الفلسطيني في استبدال القراءة المادية العلمية لموازين القوى والمعادلات الجيوسياسية بحتميات غيبية وتبشيرية عاطفية، تُغذى وتُضخّم عبر الفضاء الرقمي. 

يعمل هذا النمط على مأسسة "الوهم الجمعي" كبديل عن التقييم والمراجعة، حيث يُعاد تأطير الكوارث الواقعية والأزمات البنيوية الناتجة عن القرارات السياسية والميدانية، لحركة حماس "مثلا" على أنها "ابتلاءات" حتمية تسبق النصر الموعود، ويتم من خلالها تمييز المؤمن عن الكافر، هذا التوجيه يحوّل الوعي القمعي إلى ممارسة ذاتية، إذ يمارس الفرد الرقابة القسرية على نفسه وعلى محيطه، ويرفض غريزياً أي سؤال عقلاني يتعلق بالجدوى والكفاءة، لاعتقاده أن نقد الأداء المادي هو تشكيك في الحتمية التاريخية أو الدينية نفسها.

وفقاً لعلم الاجتماع الرقمي، تلتقي هذه البنية التعبوية مع معمارية الخوارزميات وصناعة "التريند" لتنتج وعياً استسلامياً متدثراً برداء الثورية، ينزل بالجماهير من مقعد "الفاعل السياسي والمحاسِب" إلى مقعد "المنتظِر المنفعل"، والمتحفّز "لضرب" الآخر، تقوم المنصات بمكافأة وتضخيم "الانتصارات الوهمية واللحظية" لأنها الأكثر حصداً للتفاعل، مما يبني جداراً سميكاً يعزل المجتمع عن إدراك فداحة الواقع، في هذه البيئة، يُستغل التفكير بالتمني كأداة قمعية ناعمة لحماية النخب والفصائل المهيمنة من المسؤولية والمحاسبة؛ حيث يُصنّف أي صوت واقعي يحذر من الكلفة أو يدعو لقياس علمي للميدان كمُرجِف، مُثبّط، أهل دثور، طابور خامس، خائن.. إلخ، تجب تصفيته واغتياله معنوياً، لتتحول الجماهير بفعل الشحن العاطفي إلى حارسٍ يدافع عن سجن وعيه الخاص، يصفق للوهم المريح وينكّل بالحقيقة المزعجة.


سادساً: الاستقطاب الرقمي وإدارة الوعي الإنفعالي

مع تحول الفضاء الرقمي إلى المسرح الرئيسي لتشكّل الرأي العام، تظهر تكتيكات جديدة لإنتاج الوعي القمعي تعتمد على بناء غرف صدى مغلقة، تُغذَّى بخطاب تعبوي مرتفع النبرة، عالي الشحنة العاطفية، منخفض الحساسية تجاه التعقيد. في هذه البيئات الرقمية، لا يُسمح للأسئلة المتعلقة بالكفاءة أو بالخيارات الاستراتيجية أن تأخذ حيزها الطبيعي؛ إذ يجري استبدالها بثنائيات حادة من قبيل مع أو ضد، وطني أو خائن. هنا يُستَبدَل النقاش العقلاني بحالة استنفار دائم، تجعل أي محاولة للتفكير الهادئ تبدو نوعاً من التخاذل أو العمالة، فيتراجع الوعي النقدي لصالح وعي إنفعالي سريع الاشتعال، سريع الحكم، وسريع النسيان كذلك، ولأن الإعلام والمنصات الرقمية، أصبحت هي الأداة الأبرز والأقوى في تشكيل الوعي " الفردي والجمعي " ومنه القمعي ايضا" نرى ضرورة التوسع في هذه الجزئية، حيث تتداخل مجموعة من العوامل في تعزيز وترسيخ بنية الوعي القمعي، عبر اداة منصات التواصل الاجتماعي، منها:

المعمارية الخوارزمية كبنية تحتية للقمع

المنصات الرقمية ليست مساحات محايدة؛ إنها مصممة وفق ما يعرف "باقتصاد الانتباه"، حيث لا تفضل الخوارزميات، الحقيقة أو العقلانية، بل تُفضّل "التفاعل" 

ظاهرة غرف الصدى: تقوم خوارزميات "التوصية" او ادارة تفضيلات المستخدم، بعزل المستخدم داخل فقاعة من الأفكار التي تشبهه تماماً، في السياق الفلسطيني، هذا العزل يحوّل الفصائلية أو الأدلجة من مجرد خيارات سياسية إلى "هويات مغلقة".

تغذية الإنفعال: المحتوى الذي يثير الغضب، أو الخوف، أو الفخر القومي المتطرف يحصد أعلى نسب مشاركة، الخوارزمية هنا تتدخل كـ "مُعجّل قمعي"؛ لأنها تدفع بالخطاب الأكثر حدة وثنائية إلى الصدارة، بينما تُخفي الأطروحات التحليلية المركبة خلف "جدار الصمت الرقمي" لقلة التفاعل معها.

2. سيكولوجية "الاستنفار الدائم" وسحق المجال العام

في علم الاجتماع الرقمي، يُطلق على الحالة المذكورة في النص اسم "الغضب الأخلاقي الرقمي"في الحالة الفلسطينية، يجري استغلال هذا الغضب وتوجيهه بشكل منظم، لضمان كل من:

نزع الشرعية عن الأسئلة البنيوية: عندما يغيب النقاش العقلاني، تصبح الأسئلة البديهية حول "كفاءة الإدارة"، "جدوى الخيارات الاستراتيجية"، أو "الفساد والمحسوبية" بمثابة "خيانة". الوعي القمعي هنا يُقنع الفرد بأن طرح السؤال في وقت الأزمة هو إضعاف للجبهة الداخلية.

الإرهاب الفكري الرقمي: تُمارس المجموعات المنظمة (أو الجيوش الإلكترونية/الذباب الرقمي) ما يُعرف بـ "الاغتيال المعنوي". أي صوت يحاول تفكيك المشهد بهدوء يُصنّف فوراً ضمن ثنائية (وطني/خائن)، ممّا يدفع الكتلة الحرجة من المثقفين أو المواطنين العاديين إلى ممارسة "الرقابة الذاتية"، خوفاً من النبذ أو التخوين.

3. الوعي الإنفعالي: سريع الاشتعال، سريع النسيان

هذه المفارقة هي جوهر "الوعي القمعي الرقمي"، فالخوارزميات تصنع وعياً "لحظياً" يعيش على "التريند"، والقضيّة اللّحظية، وهو ما يقود لأحد أمرين، أو كليهما:

غياب التراكم المعرفي: الوعي الإنفعالي يشتعل بسرعة مع كل أزمة (اعتقال سياسي، قرار حكومي، مواجهة ميدانية)، لكنه يطفو على السطح دون النفاذ إلى الجذور.

- إدارة النسيان: إن سرعة تدفق "التغذية الإخبارية"، تجعل الذاكرة الجمعية الرقمية قصيرة المدى جداً، الوعي القمعي يستفيد من هذا؛ إذ يتم تشويه الوعي في اللحظة الراهنة، مع ضمان أن الجمهور سينسى تفاصيل هذه الأزمة بمجرد بروز "تريند" جديد، مما يحمي البنى القمعية (سواء كانت سلطوية أو فصائلية) من المحاسبة التاريخية أو التقييم الاستراتيجي التراكمي.

4. الخصوصية الفلسطينية: تقاطع القمع المركّب

في المجتمع الفلسطيني، لا يعمل الاستقطاب الرقمي في فراغ، بل يتغذى على ظروف استثنائية:

الانقسام الجغرافي والسياسي: غرف الصدى الرقمية تعكس وتُعمّق الانقسام (فتح وحماس، الضفة وغزة، الداخل والشتات، الخ). العجز عن الالتقاء الفيزيائي اسوة بالالتقاء الايديولوجي، يفرض الاعتماد الكلي على الفضاء الرقمي، مما يجعل الأخير ساحة بديلة لتصفية الحسابات السياسية بدلاً من إيجاد المشتركات، والبناء عليها.

القمع المركّب (الاحتلال والسلطة الأيديولوجية المغلقة): إلى جانب قمع الخوارزميات وسياسات الحظر والتعتيم، يقع المواطن الفلسطيني بين فكيّ سلطات الاحتلال وممارساته القمعية الإلغائية، وبين سلطة الأيديولوجيا المحلية، لفصائل فصائل تستخدم نفس هذه المنصات لإعادة إنتاج أدوات السيطرة وتوجيه الرأي العام عبر أدوات الشحن العاطفي لضمان الولاء الأعمى لها، تحت مسمى الولاء للدين والله، الذين احتكرتهما خلال مسيرة انتاج الوعي القمعي تراكمياً.


سابعاً: ترسيخ وهم القدرة في أذهان الجمهور.

يتجلى تعزيز حركة حماس لـ "وهم القدرة" بين جماهيرها، كآلية ممنهجة لإنتاج الوعي القمعي، تعتمد على فك الارتباط بين الإمكانات المادية الحقيقية والفعل التعبوي على الأرض، من خلال خطابات مشحونة تضخم الإنجازات الموضعية وتحولها إلى تحولات استراتيجية كبرى، يُعاد صياغة الوعي الجمعي، ليعتقد بامتلاك قدرة ردع وتغيير تفوق الواقع الجيوسياسي المعقد بكثير، وتفوق القدرة الحقيقية كثيرا، هذا "التضخيم المصطنع للقدرة" لا يهدف فقط إلى رفع الروح المعنوية، بل يتحول إلى أداة قمعية ناعمة؛ إذ يُلغي ابتداءً، مشروعية السؤال عن "موازين القوى" أو "كلفة الخيارات"، وأي محاولة لتقييم المخاطر بموضوعية، يَصِمُهَا بالهزيمة النفسية أو العجز، وكثيرا الخيانة، بالتالي، يصبح الجمهور واقعاً تحت سلطة وعي قسري، يرى في التقييم العلمي للواقع خيانة للثوابت، ممّا يحرم المجتمع من بناء استراتيجيات صمود مرنة وحقيقية تعتمد على حسابات الكسب والخسارة الملموسة.

وفي السياق الرقمي والاجتماعي، يتغذى هذا الوهم على آليات "البروباغندا الفصائلية" التي تجد في خوارزميات المنصات بيئة مثالية لإنتاج "انتصارات رقمية" متلاحقة تعزل الجماهير عن فداحة الأثمان المترتبة على أرض الواقع، إن مأسسة وهم القدرة تفرغ المجال العام من وظيفته الرقابية وتنقله من مقعد المساءلة إلى مقعد "التفويض المطلق"، حيث يُقنع المواطن بأن القيادة تمتلك من الأدوات والخطط ما يتجاوز مداركه، وأن دوره ينحصر في الدعم والتصفيق، هذا الوعي الإنفعالي الموجه يُنتج بيئة إرهاب فكري داخلي، حيث يتطوع الأتباع والجمهور المشحون _بفعل وهم القوة والقدرة_ بقمع الأصوات المحلية الهادئة واغتيالها معنوياً، باعتبارها أصواتاً "توهن عزيمة الأمة"، لتتحول الحاضنة الشعبية، تحت تأثير هذا التخدير الاستراتيجي، إلى حارس شرس للبنى القمعية التي تحمي النخبة السياسية والميدانية من أي مراجعة أو محاسبة تاريخية.

ختاماً:

يتشكل الوعي القمعي في السياق الفلسطيني عبر توليفة بنيوية تُهندسها النخب المسيطرة، تتقاطع فيها قداسة القضية العادلة مع السلطة الرمزية للخطاب الديني والأخلاقي، وتُدعم بشبكات رعاية اجتماعية وهيمنة رقمية وخوارزمية مكثفة، تفلح هذه المنظومة في نقل القمع من ممارسة سلطوية عمودية إلى "بنية ذهنية داخلية" تتبنى الجماهير بموجبها القيود المفروضة على عقولها، كجزء من الهوية والوطنية، لينتج عن ذلك انقلاب مفاهيمي حاد، يتبدل فيه موقع الضحية والجلاد، حيث يتحول الفرد المقموع _بفعل التوجيه الإنفعالي وتغليب الحتميات الغيبية ووهم القدرة_ إلى حارس متحمس للمنظومة التي تقهره، يمارس الإرهاب الفكري والاقصاء ضد كل صوت عقلاني يحاول ممارسة المساءلة أو النقد البنيوي لخيارات القيادة وأدائها المادي.

بناءً على ذلك، تتبدى معركة الوعي كجوهر ومحدد أساسي لمشروع التحرر الوطني، إذ إن تخلّي أي حركة مقاومة عن حماية التعددية وحق المجتمع في المراجعة يؤول بها حتماً إلى إعادة إنتاج ذات البنى الاستبدادية التي تدعي مناهضتها. إن تحصين المجتمع من الانزلاق نحو محاكم التفتيش الرقمية والسياسية والتخوين باسم الدين والوطنية يتطلب فصلاً صارماً بين "قداسة القضية" و"بشرية الأطر التنظيمية"، والانتقال من مربع "الوعي الإنفعالي القمعي" إلى أفق "وعي تحرري نقدي" يدرك أن صون الحرية الداخلية ومقاومة تغوّل الجماعة على العقل هما الشرطان الأساسيان لمقاومة الاستعمار على الأرض وحفظ كرامة الإنسان.

انتهى 

الثلاثاء، 23 يونيو 2026

بالعصا لا بالعقل: الوعي القمعيّ بديلاً للوعي الجمعيّ

عبدالله زماري، باحث في الإعلام، والرأي العام وتحليل الخطاب

 لم يكن أكثر ما لفت الانتباه في الدعوات إلى حراك 26 حزيران حجم التأييد أو الرفض، لأن الاختلاف على اي مسألة داخلية او خارجية  بات جزءاً من مشهد الرأي العام الفلسطيني، بل اللافت هو ذلك العدد الهائل من الأشخاص الذين بدوا مستعدين لمحاكمة المحتجين قبل أن يسمعوا منهم كلمة واحدة، فهم لم يسألوا ماذا يريد هؤلاء، ولا لماذا خرجوا، ولا ما الذي أوصلهم إلى هذه النقطة؟ إنما كان السؤال الوحيد: كيف نثبت أنهم خونة؟ وما الاوصاف التخوينية الأشد قسوة لاستخدامها؟ وهنا تحديداً تبدأ قصة الوعي القمعي.

تعيش بعض المجتمعات أزمات طويلة، وحروباً متواصلة، وانهيارات اقتصادية وسياسية متراكمة، وهنا يصبح الصراع على الوعي أكثر أهمية من الصراع على الأرض نفسها، فالسيطرة على الجغرافيا قد تُفرض بالقوة، لكن السيطرة على العقول تمنح المسيطر سلطة أعمق وأطول أمداً، ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن يُقمع أفراده فحسب، بل أن يُعاد تشكيل وعيهم بطريقة تجعلهم يتبنون القمع ويدافعون عنه ويعيدون إنتاجه بأيديهم، بل ويطورون ويزينونها.

من أخطر الظواهر التي يمكن رصدها في العديد من تجارب حركات الإسلام السياسي في الوطن العربي، بما فيها الحالة الفلسطينية، أنها لا تكتفي بتقديم مشروعها الفكري والسياسي بوصفه رؤية من بين رؤى متعددة قابلة للنقاش والأخذ والرد، بل تسعى إلى إنتاج ما يمكن تسميته بـ"الوعي القمعي"، وهو نمط من الوعي يقوم على إلغاء التعددية، ورفض الاختلاف، وتحويل الجماعة إلى مرجعية مطلقة تحتكر الحقيقة والوطنية والأخلاق في آن واحد.

لا يُبنى هذا الوعي القمعي، على الحوار الحر ولا على المنافسة الطبيعية بين الأفكار، بل على إعادة تشكيل إدراك الأفراد بحيث يصبح الانتماء للجماعة معياراً للحكم على الأشخاص والأفكار، ومع مرور الوقت، يتراجع الوعي الجمعي الطبيعي القائم على النقاش والتنوع والاختلاف، ليحل محله وعي مقولب يرى العالم مجموعتين لا ثالث لهما: مؤيد أو خائن، تابع أو عدو، مؤمن أو كافر، في اختزالٍ للحياة السياسية والاجتماعية بين ثنائيات حادة ومقيتة، فيصبح التفكير المستقل فعلاً مشبوهاً، فليس المطلوب منك كفرد، أن تفكر، بل أن تصطف، وليس مفترضٌ بك ان تناقش، بل أن تُردّد، كما ليس من المقبول أن تسأل، بل أن تُبرّر، وبهذا يتحول المجتمع تدريجياً إلى بيئة طاردة للعقل النقدي، ومهيأة لإعادة إنتاج الطاعة والانقياد، والنتيجة الحتمية هنا، هي مستقبلٌ قطيعيٌّ مظلم، تتحول فيه المجتمعات المنفتحة، إلى "جماعات" مغلقة، تخشى التفكير الحر، وتتعامل مع المخالف بوصفه خطراً ينبغي عزله أو تشويهه أو إسكات صوته. تصبح الكراهية _عندما يصل المجتمع إلى هذه المرحلة_ جزءاً من بنيته الثقافية اليومية، ويصبح العنف اللفظي أو الرمزي أو حتى المادي تجاه المختلف اً قابلاً للتبرير تحت عناوين العقيدة أو الوطنية أو حماية المشروع السياسي.

يثير الانتباه بشكل لافت، مفارقة أن الإنسان المقموع داخل هذه المنظومة لا يدرك غالباً أنه ضحية لها، بل على العكس تماماً، يتحول تدريجياً مدافعٍ متحمّسٍ عنها، فهو لا يرى القيود المفروضة على تفكيره بوصفها قمعاً، بل يعتبرها نوعاً من النقاء العقائدي والطهارة الوطنية، وعوضاً عن مساءلة "المتسلّط" التي يصوغ وعيه، يصبح مستعداً للهجوم على كل من يحاول مساءلة هذه الجهة المتسلّطة.

تظهر هنا واحدة من أخطر نتائج الوعي القمعي: أن المقموع نفسه يتحول إلى أداة قمع، فهو لا يكتفي بالخضوع للمنظومة، بل يشارك في حمايتها والدفاع عنها وتسويقها. وكلما ازدادت قدرته على تبرير القمع، ازدادت مكانته داخل الجماعة، فيصبح القمع فضيلة، ويصبح الاعتراض خطيئة، ويصبح الخضوع دليلاً على الالتزام والولاء، بل يقربك اكثر إلى الله والالتزام بنهجه، فكل صوت ناقد يتحول إلى صوت مشبوه، وكل رأي مختلف يصبح مؤة محتملة، وكل دعوة للنقاش تُقدَّم باعتبارها استهدافاً للوطن أو المقاومة أو الدين، وبدلاً من الدفاع عن حق الجميع في التعبير، يُعاد تعريف الحرية نفسها وفق الحدود التي تسمح بها الجماعة او الحركة المهيمنة على المجال العام.

لا يقتصر انتاج هذا الوعي، في الحالة الفلسطينية، على الخطاب السياسي أو الإعلامي، بل يمتد إلى تشكيل كتلة اجتماعية تتولى بنفسها مهمة حماية هذا الوعي القمعيّ، وإعادة إنتاجه، وهنا تظهر ظاهرة #شبيحة_حماس؛ ليس بوصفها مجرد مجموعة أفراد متحمسين أو مناصرين عاديين، بل باعتبارها وظيفة اجتماعية وسياسية هدفها الأساسي حماية السردية المهيمنة من أي مساءلة أو نقد، والشبيحة هنا موزعين بنجاعة ما بين الميدان وشوارع قطاع غزة وأزقته، وبين منصات التواصل الاجتماعي "وأزقتها"، إن جازت التسمية.

إن وظيفة شبيحة حماس لا تتمثل في إقناع المخالف بقدر ما تتمثل في إرهابه معنوياً، فهم لا يناقشون الرأي بقدر ما يشككون في صاحبه، ولا يردون على الحجة بقدر ما يهاجمون نوايا من طرحها، ولذلك فإن أي نقاش سياسي أو اجتماعي سرعان ما يتحول إلى محكمة تفتيش وطنية تُوزَّع فيها شهادات الوطنية والخيانة، ويُحاكم فيها الأشخاص على هوياتهم وانتماءاتهم بدلاً من محاكمة الأفكار على أساس منطقها وواقعيتها، ولنتذكر أن المنطق هو أول الغائبين عن كينونة الوعي القمعي.

إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تستهدف إسكات المخالف فقط، بل تستهدف أيضاً ترهيب كل من يفكر في الاقتراب من مساحة النقد، فحين يشاهد المواطن حملات التشهير والتخوين والنبذ الاجتماعي التي يتعرض لها الآخرين، فإنه يتعلم درساً غير مكتوب: الصمت أكثر أماناً من الكلام.

وتبدو هذه الآلية بوضوح شديد عند كل محطة تفتح الباب أمام مساءلة الواقع القائم، ففي اللحظة التي يطرح فيها مواطن سؤالاً مشروعاً حول الأداء السياسي أو الاقتصادي أو الإداري، لا يجري التعامل مع السؤال بوصفه حقاً طبيعياً، بل يُنظر إليه باعتباره تهديداً يجب احتواؤه أو إسكات صاحبه، فتصبح الرّهبةُ من السؤال أكبر من الرغبة في الحصول على اجابته.

ولعل التفاعلات التي رافقت الدعوات إلى حراك السادس والعشرين من حزيران/يونيو في قطاع غزة تمثل نموذجاً عملياً متكاملاً لهذه الظاهرة، فقبل أن يبدأ الحراك أصلاً، وقبل أن تُناقش مطالبه أو تُدرس دوافعه أو تُفحص الظروف التي أنتجته، كانت ماكينة التخوين قد بدأت عملها بكامل طاقتها، لم يكن السؤال المطروح: لماذا يشعر جزء من المجتمع بهذا القدر من الاحتقان؟ ولماذا وصل بعض الناس إلى قناعة بضرورة الاحتجاج؟ وما الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي دفعت إلى ذلك؟ بل كان السؤال الوحيد تقريباً: من يقف خلف هؤلاء؟ ولصالح من يعملون؟ ومن يمولهم؟ ومن يحركهم؟ وبذلك جرى تحويل النقاش من مناقشة الأسباب إلى مطاردة النوايا، ومن البحث في الوقائع إلى البحث عن متهمين لتخوينهم وتكفيرهم وبالتالي تخوين الحراك وفكرته والمشاركين المحتملين فيه، وتظهر أمامنا هنا، إحدى أهم تقنيات إنتاج الوعي القمعي؛ إذ يُمنع المجتمع من التفكير في الأزمة نفسها، ويُدفع للتفكير فقط في الأشخاص الذين يتحدثون عنها

يشهد الفضاء الرقمي خلال الفترة التي تسبق انطلاق الحراك، سيلاً من حملات التخوين والتشويه والاستقطاب، وكأن مجرد المطالبة بمراجعة الواقع أو انتقاده أصبحت جريمة سياسية وأخلاقية، وتحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات لمحاكمات شعبية لا تبحث عن الحقيقة بقدر ما تبحث عن إثبات الولاء لمصدر القمع، فكل من أبدى تعاطفاً مع حق الناس في الاحتجاج وُضع تحت الشبهة، بل ربما اتهم بالخيانة، وكل من طالب بالنقاش اتُهم بأنه يخدم أجندات معادية، وكل من رفض الاصطفاف الكامل جرى التعامل معه باعتباره عدواً يجب الخلاص منه.

الأخطر من ذلك أن هذه الممارسات كشفت عن نجاح طويل الأمد في إعادة تشكيل الإدراك الجمعي، إذ لم يعد كثيرون ينظرون إلى حرية التعبير باعتبارها حقاً عاماً، وإنما امتيازاً مشروطاً بالموافقة المسبقة على الرواية السائدة، ولم يعد النقد يُنظر إليه باعتباره أداة للتصحيح والمراجعة، بل باعتباره شكلاً من أشكال الت، ولم يعد الاختلاف جزءاً طبيعياً من المجتمع، بل انحرافاً يستوجب العقاب، والقتل أحياناً. وتكمن الخطورة الحقيقية هنا، فالمجتمع لا يفقد حريته عندما يُمنع الناس من التعبير فقط، بل عندما يقتنع قسم من الناس بأن مصادرة حق الآخرين بالتعبير والرأي فضيلة، ولا ينتصر القمع عندما ينجح في إخافة المعارضين فحسب، بل عندما ينجح في تجنيد ضحاياه ليصبحوا أدواته الأكثر فاعلية وقسوةً..

إن المجتمعات الحية لا تُقاس بمدى اتفاق أفرادها، بل بقدرتها على إدارة الاختلاف، أما حين يصبح الاختلاف جريمة، والنقد خيانة، والتعددية تهديداً، لإانت في مجتمع تحكمه احدى الحركات السياسية "المأسلمة"، وابرزها واكثرها انتشارا هي حركة الإخوان المسلمين، فهي ما برزت في مجتمع إلا وبدأت في إفقاده مناعته الفكرية، وسلبه حريته بالاختيار وتبني ما يراه مناسباً من أفكار والتعبير عما يناسبه من آراءـ والمصيبة أعظم عندما تكون احد هذه الحركات تحكم مجتما او كيانا سياسيا ما، عندها لا يعود الخطر في الخصوم الخارجيين فقط، بل في البنية الذهنية التي تجعل الإنسان يتنازل طوعاً عن حقه في التفكير الحر، ثم يطالب الآخرين بالتنازل عنه أيضاً.

ولهذا فإن معركة المستقبل ليست فقط معركة سياسية، بل هي معركة على طبيعة الوعي ذاته: هل نريد وعياً جمعياً حراً قادراً على النقد والمراجعة والتصحيح، أم وعياً قمعياً يعيد إنتاج نفسه عبر الخوف والتخوين والتقديس؟

إن أخطر أنواع القمع ليست تلك التي تُفرض بالعصا أو السلاح، بل تلك التي تتمترس داخل العقول، فيتبنى الإنسان رهبة رقابة نفسه، ويتجند مهاجماً لأفكار الآخرين، مدافعاً عن القيود التي تكبله، فيحقق انتصاره الأكبر، عندها لا تعود المشكلة في وجود سلطة تقمع تفكير المجتمع ووعيه، بل في وجود مجتمع يتولى بنفسه مهمة إعادة إنتاج القمع وتضخيمه جيلاً بعد جيل.

 يتبع الجزء الثاني