استشهد أم قُتل؟
الموت الطبيعي هو أن يموت شخص ما دون تدخل طرف ثان.
وقد ميزت بعض اللغات في استخداماتها الشائعة بين اشكال للقتل، في العبرية مثلا يقولون قُتِلَ (نِهْراج) لمن قتل بدون عمد واصرار، مثل قتل الخطأ، قتل بسبب حادث سير أو حادث عمل..الخ كما يقولون قُتِلَ (نِرتسَاح) لمن يقتله شخص آخر بقصد ونيّة القتل، كجرائم القتل مثلا..
في الانجليزية، يقولون قُتِلَ (killed) بمعنى شبيه لمعنى (نِهراج) العبريه، اي في حوادث أو بغير قصد أو خارج عن القانون قتلته الشرطة في مطاردة..الخ، وهناك قُتِلَ (murdered) لوصف جريمة قتل مع نية وقصد..
وبالفرنسية نفس الأمر هناك tué/killed وهناك assassiné/murdered.
في لغتنا العربيه حسب علمي لا يوجد هذا التمييز، نعم هناك مرادفات مثل، اغتيل، صُفيَ، ولكن قصدي الذي أريد إيصاله لا تخدمه هذه الكلمات، فالعربية تقول (قُتلَ) لمن يقتل في حادث سير، و قُتلَ لمن يقتله شخص بطلق ناري بنية للقتل، ربما لا يعني ذلك فارقا لأحد، في الظروف الاعتيادية، ولكن عندما يتعلق الأمر بقضيتنا، ونضالنا ضد الاحتلال، لا بد من التدقيق، والوقوف مطولا، وخاصة عند تنفيذ مناضلينا عمليات فدائية ضد العدو..
مقدمة سريعه بعودة للغة العبرية، يصف اعلام الاحتلال شهدائنا بأنهم "نِهرجو"، وقتلاهم بأنهم "نِرتسِحو" اي أن شهداءنا قتلوا بدون قصد أو بحادث، وهو ما يعني عدم وجود فعل القتل "murder"، وهو ما لا يستدعي محاسبة، ولا يسترعي التعاطف مع "ضحية" انسانية، وقد اصبح هذا احد اركان الرواية الصهيونية للاحداث، بينما لو قتل مستوطنٌ ما، نتيجة القاء حجارة فإنه "نِرتساح" اي قتل بقصد ونية، فهي جريمة قتل تستدعي محاسبة وتعاطفاً.
اذا اردنا عكس النظرة ودققنا في الرواية الفلسطينية لنفس الاحداث، سوف نجد اتجاهين في الرواية، الاتجاه الاول يتناول الضحايا الفلسطينيين، والثاني يتناول خسائر الاحتلال، كما هناك صورتين مختلفتين عند صياغة الخبر باللغة العربية، او عند صياغته بلغة اجنبية "الانجليزية كمثال".
عند الاشارة الى الضحايا الفلسطينيين في النسخة العربية من الخبر، تستبدل كلمة قُتل بكلمة "استشهد" وهذا امر ذو دوافع دينية ووطنية حيث المكانة العليا للشهداء في الدنيا والآخرة وتحمل تعزية ومواساة لاهالي الشهداء، وهذا هو المطلوب من الناحية الوطنية والوجدانية، ولكن هل هو #الأصح من وجهة نظر "علم الاعلام والاتصال؟" خاصة عند صياغة الخبر باللغة الانجليزية. سواء في وسائل الإعلام، او في منشورات نشطاء المنصات الفلسطينيين وتعليقاتهم _وهذا ايضا اعلام_ نجد الكثير ممن يصيغون الخبر ويدرجون كلمة شهيد “martyr” باللغة الانجليزية _واحيانا مكتوبة بالاحرف الانجليزية shaheed_ منطلقين من نفس الدوافع الدينية والوطنية التي صاغوا فيها الخبر بنسخته العربية، ولكن هذه المرة بدوافع خاطئة للجمهور الخاطيء، فهل يفهم الاجنبي الذي يقرأ ماذا يعني شهيد، وهل سيتعاطف او يؤيد او يقف للتفكير بخبر فيه كلمة محورية جداً، لا يحسن استدخالها وفهمها والتفاعل معها، بل لا تترك لديه ذلك الاثر الانساني الذي تتركه كلمة Murdered، لان "استشهد" وان فهمها جيدا فهي أمر يبعث على الفخر وقد نال الشهيد جائزته وهي الجنة ولا يُطالبَ أحدٌ بدفع الثمن، أما Murdered، فتحمل اثرا نفسيا قوياً، تستدعي التعاطف والتفاعل واذا اقترنت في الصياغة مع إبراز الفاعل "القاتل" فان الأمر يستدعي محاسبة الفاعل "الاحتلال"، صحيح أن المتلقي الفرد لن يستطيع محاربة الاحتلال على جرائمه، ولكنه يضيف صوتا اخر في الرأي العام ينفر من تأييد دولة قاتلة.
وهناك ايضا من لا يذكر كلمة شهيد في الخبر بل يصيغه "Palestinian teenager were KILLED, after being shot by idf in the city of Jenin”
ثم ناتي لصياغة الخبر، حيث نجد احيانا ان الامر مبني للمجهول "استُشهد الشاب فلان فلان 23 عاما، من قرية او مدينة كذا، صباح هذا اليوم، بعد ان اطلقت قوات الاحتلال النار عليه..الخ الخ" لقد القت هذه الصياغة بالفاعل القاتل الى اخر الخبر وكانها في خلفيته، مع اننا نحتاج الى ابراز الفاعل "القاتل" والفعل "القتل" اكثر قليلا من إبراز الضحية، مع ان الضحية وطنيا ونفسيا وثوريا اكثر قيمة لدينا من الفاعل، ولكن للإعلام أحكام.
هناك الكثير مما يمكن قوله هنا، ولكن الامر يحتاج صفحات سيمل القاريء حتما من قراءتها، إذا فالخلاصة هنا هي اننا نحتاج الى مراجعة تكتيكاتنا الاعلامية خاصة في الحالات التي اوردت في المقال، نحتاج حين وصف قتل او استشهاد فلسطيني ان نبرز الفاعل ونقدمه، نحتاج ايضا الى تسمية العملية بانها قتل “MURDER” وليس “Killing”. وبرأيي عند مخاطبة جمهور بلغات غير العربية، لسنا بحاجة الى كلمة استشهد او شهيد، ولننحي العواطف جانبا، لأننا من خلال الاخبار نبحث عن لفت انظار العالم والبحث عن تاييده وتعاطفه الانساني والسياسي على حد سواء.
أما عند ذكر خبر حول وفاة مستوطن ما، نتيجة عمل مقاوم، ان نلغي كلمة قتل نهائيا بكافة صيغها، ان نركز على تغييب الفاعل الفلسطيني او تاجيل ذكره قدرما نستطيع، وان نبني الجمل الخاصة بذلك للمجهول، واذا وجدنا ثغرة تمكننا من ذكر ان المستوطن جلب ذلك على نفسه، فسيكون امرا عظيما.
اثناء كتابة السطور الاخيرة لهذا المقال لفت نظري مقابلتان تلفزيونيتان شاهدتهما، احدهما للسفير الفلسطيني في لندن د. حسام زملط، والاخرى لعضو الكنيست عن القائمة العربية الدكتور سامي ابو شحادة، الاولى بالانجليزية، والثانية بالعبرية، وكان بينهما قاسمين مشتركين، الاول هو محاولة محاوريهما توريطهما في فخ المصطلحات والمفاهيم، والثاني انهما بارعان وربما كانا الابرع في استخدام نفس المباديء والصياغات التي اشرت لهما في هذا المقال، وأرى ان خطابهما لا بد ان يعمم ويدرّس، وان يجري تدريب بقية المتحدثين الرسميين او النشطاء الحزبيين عليه، اذا ما اردنا ان نخطو خطوة للامام في المواجهة الاعلامية مع رواية الاحتلال.
ارجو ان اكون استطعت ايصال فكرتي وشكرا