السبت، 2 أبريل 2022

رأسه معلق على الأسوار

لا اعلم اصل هذه العباره ولا في اي عصر ومكان، ولكن على الأغلب سمعتها في احد الأفلام التي تمثل عصور الغزو والبربرية في عصور أوروبا الوسطى..

عدو شرس يمثل قدوة للكثيرين، تم قتله بعد جهود حثيثة لانه صار يمثل خطرا على وجود "القاتل" .. ولأن عملية القتل نفسها لا تشكل رادعا كافياً، تم قطع رأسه وتعليقه على سور القلعة ليراه اتباعه وأنصاره، وكان التعليق يتم بمصاحبة إثارة صوتية، من منادٍ يحرك مشاعر الناس السلبية مثل الخوف والقلق واشباههما..

وفي عصور البربرية والغزو، كان مقاتلو بعض القبائل يقطعون رؤوس قتلى أعدائهم ويزرعونها على رؤوس الرماح ويضعونها على حدود ارض القبيلة كعامل ردع وتخويف، لكل الأعداء، أن هنا قد تقتلون ويكون مصير رؤوسكم كهؤلاء.

في عصر "الحضارة"، عصرنا الحالي، لم تختلف الأمور كثيرا، وان كانت اتخذت شكلا أكثر "حداثة"، فقد أصبحت وسائل الإعلام "رماح" هذا العصر، والضحايا لا زالوا هم "أعداء" قبيلة ما،  تفرض عرفها وثقافتها ونظام إرهابها ضد "الأعداء" والخصوم.

واذا اردنا أمثلة حاضرة، عايشناها كلنا، فهناك في ذاكرة الجيل الحديث، شهادتان ماثلتان لم ينسيا بعد، وهما اغتيال رئيس وزراء الاحتلال "اسحق رابين"، وتصفية المعارض السعودي جمال الخاشقجي، فالاول تم اغتياله رميا بالرصاص، وسط حشود محتفلة، في ميدان عام، في قضية هزت مجتمع دولة الاحتلال، وشكلت صدمة للرأي العام المحلي والدولي، والثاني تم قتله بطريقة وحشية في مكان يفترض أنه واحة امان لمواطني الدولة، وهو سفارة بلاده في تركيا، في قضية أصبحت قضية رأي عام في كثير من دول العالم وتحدثت ردود أفعال متفاوتة الشدة من قوى عظمى ودول إقليمية وازنة.

ومثلما كان الأمر في عصور البربرية، لم يكن المحارب الذي يغرز على الرمح راس قتيله، يفعل ذلك اجتهادا، بل كان نتاج ثقافة القبيلة، بل وربما جاز القول ثقافة العصر، ومثلهم لم يكن يجيئال عامير، ولا العسيري والقحطاني، سوى أدوات تنفيذ ثقافة "قبائلهم"، وثقافة العصر "إن جاز لنا التعبير".

إن "قبيلة" التطرف، وإرهاب المستوطنين وسطوتهم، مصحوبا برفضهم الشديد لما شرع رابين بتنفيذه من خطوات نحو التوصل لاتفاق "سلام" مع منظمة التحرير، يتضمن "تنازلات" عن اراضٍ لصالح الفلسطينيين، هذا الاتفاق الذي كان ولا زال مرفوضا بشدة في أوساط واسعة من المؤسسة الصهيونية، والذي في حال تم تنفيذه في حينه فإنه سيعني وضع الحدود أمام سياسة الاستيطان والاحتلال التي تعد جوهر العقلية الصهيونية ومحركها، بل وسبب "شرعية وجودها" كمشروع يتولى قيادة احلام "الشعب" اليهودي، وتحقيق خلاصه.

وربما عقلية "القبيلة" ايضا، حركت مخططي ومنفذي جريمة قتل الخاشقجي، فهو ومن خلال نشاطه كمعارض لحكم آل سعود، ونشاطه بالخارج، قد يكون شكك، بشرعية الحكم في المملكة، وقد استشرفت فيه بعض دوائر الحكم تهديدا متنامية لشرعية هذا الحكم، وان كانت هناك بعض الحيثيات لم تكشف بعد، ومن المرجح أن تبقى أسرارا لفترة طويلة، الا أن ما لا شك فيه هو أن التصفية الوحشية قد حصلت، وتم تحديد معظم المخططين والمنفذين، مع بقاء الغموض يلف شخصية "قائد العملية" وهو من أعطى الأمر بالقتل، الا أن ما حدث صار، وسيبقى علامة فارقة، ماثلة في أذهان من عاصر الحدث منذ أربعة سنوات.

إن اغتيال رابين، أعطى رسالة واضحة جدا لكل سياسيي دولة الاحتلال وقادتها المستقبليين، بثها المستوطنون ودوائر بالمؤسسة الصهيونية _من داخل الكيان ومن خارجه_ مفادها أننا لن نسمح بأن يقوم أي سياسي بالتنازل عن حلم الصهيونية والمستوطنين بالاحتلال والتوسع بل وبالتطهير العرقي الممارس ضد الفلسطينيين.

وبالمثل فقد، بث مخططو ومنفذو قتل الخاشقجي، نفس الرسالة، بأننا لن نسمح بالتشكيك بشرعية الحكم، وسيكون مصير خاشقجي مثالا لمصائر كل المعارضين المشككين مستقبلا.

إننا، والحال هذه، سيكون مستبعدا جدا في المدى المنظور، نشوء حركة معارضة هامة في السعودية، وربما دول الخليج كافة، كما لن يكون هناك أي زعيم أو سياسي بدولة الاحتلال يجرؤ على التصريح أو حتى النية بالسير على خطى رابين في توقيع اتفاقية سلام "عادلة" مع الفلسطينيين.

إن التغطية الإعلامية التي صاحبت كلا الحدثين، ساهمت بشكل كبير في رفع الرمح أكثر، ليرى من مسافات أبعد، ومثلت شاشات التلفزة والصحف ومواقع الانترنت، أسوار القلاع التي عُلّق عليها رأسا رابين والخاشقجي، ولا زال راساهما معلقان على الأسوار، وليأخذ منهما من شاء، ما شاء من العِبَرْ.

*باحث في شؤون الإعلام. اصل هذه العباره ولا في اي عصر ومكان، 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق