الأربعاء، 25 يونيو 2025

اللثام الرقمي: حرية أم انتهاك؟

" يا ولد لفلّك شال، وتعلم شغل الرجال" مطلع أغنية استخدمت للحث على الانخراط في النضال عبر ارتداء اللثام والتصرف كرجل، حيث اقترنت الرجولة بالنضال، وكان المناضلون الفلسطينيون يخفون وجوههم باللثام خوفا من ملاحقة الإحتلال وعملائه، وطبعا استخدمت نفس الاغنية في مقاصد أخرى اتفقت كلها على امتلاك صفات ومعاني الرجولة والمسؤولية الاخلاقية.

تسيطر المنصات الرقمية على مساحات واسعة من حياتنا اليومية، وقد صرنا نجد الهُويّات المزيّفة تتسلل إلى نسيج التواصل الإجتماعي، في ظاهرة نصطلح هنا، على تسميتها "اللثام الرقمي". هذا المصطلح الجديد يُشير إلى ممارسة ليست جديدة، وهي إنشاء حسابات على المنصات الرقمية، باسماء غير حقيقية بهدف إخفاء الهوية الحقيقية، لأسباب عديدة، منها مثلا، حماية الخصوصية، التملص من الرقابة (الإجتماعية او السياسية)، أو أحياناً، لممارسة سلوكيات مرفوضة، مثل التنمر والتهديد والتحرش، والإحتيال عبر المنصات، وهنا، لا بد لنا أن نسأل: هل يُعدّ "اللثام الرقمي" ممارسةً مشروعة تحت سقف الرغبة بممارسة حرية التعبير، أم أنه انحرافٌ يهدد أمن المجتمع الرقمي وسلامته؟  

الحرية المطلقة، فوضى مطلقة

تمتاز منصات التواصل الإجتماعي بصفاتٍ عدة، من بينها سرعة وسهولة الانتشار، مساواة الفرص امام المستخدمين للاستهلاك والتعبير، ومن بين صفات أخرى، تبرز احد أخطرها، وهي ما اصطلح على تسميته بالمجهولية، حيث يستطيع اي مستخدمٍ ارتداء "لِثامِه"، ويتقمص الشخصية التي يريد، ويقول ما يريد، فلا أحد هنا _نظرياً_ يستطيع الوصول إليه، وبالتالي هو خارج نطاق المحاسبة، ومن أمن العقوبة، أساء الأدب.

ساوت منصات التواصل الإجتماعي، بين الجميع، فكل من انشأ حسابا على أحدها، بات يمتلك القدرة على قول ما يريد، أن تمتلك الحرية للتعبير عن رأيك وافكارك ومعتقداتك بكل حرية، هو أمرٌ ايجابي نظرياً، ولكن حين يُترك الإنسان دون أي قيود أو ضوابط، تتحول الحرية من قيمة نبيلة إلى أداة للفوضى وتفكك المجتمع. ليس من مكونات الحرية الحقيقية، غياب القوانين أو الحدود، بل تعني وجود مساحة آمنة للتعبير والعمل ضمن إطار يحفظ حقوق الجميع، ويمنع تعدي الفرد على الآخر، فحين يحصل كل فرد على حرية غير محدودة لفعل ما يشاء، يصبح المجتمع عرضة لتنامي السلوكيات الضارة، مثل العنف، الجريمة، وانهيار القيم المشتركة، إذ يتصرف كل شخص وفق أهوائه دون اعتبار لمصلحة الآخرين أو النظام الإجتماعي والسلم الأهلي، هذا يعني الفوضى، والفوضى متجلية بما نراه على منصات التواصل الإجتماعي فلسطينياً، وإن كانت فلسطين ليست استثناءً مطلقاً، إلا ان بقاء الصراع مع الإحتلال دون حل، يستلزمها أن تكون استثناءً، نوظفه في الصراع مع الإحتلال. الفقرة السابقة، لم تأخذ بالحسبان الملثمين الرقميين، وعند اضافة اللثام للفضاء الرقمي العام، ترتفع نسبة "الحرية" المقترنة "بالمجهولية"، وتزداد الفوضى، وترتفع معها وتيرة السلوكيات المثيرة للرفض، كالهجوم الشخصي، وتوزيع الاتهامات، والوطنيات والخيانات، على حد سواء، وهذا واقعٌ جدُّ خطير، لا بد ان نقف عنده مطولا.

لقد أثبتت التجارب الإنسانية أن غياب التنظيم يؤدي إلى انهيار الثقة والتعاون، وانتشار الأنانية، وتراجع المسؤولية الإجتماعية، حتى يصل الأمر إلى أن يصبح المجتمع _في الواقع وعلى المواقع_ بيئة غير آمنة تسودها الفوضى والصراع، لذلك، لا يمكن تصور الحرية كقيمة مطلقة، بل يجب أن تكون مقترنة بالمسؤولية والضوابط التي تضمن تحقيق التوازن بين حرية الفرد واستقرار المجتمع. فكما أن تقييد الحرية بالكامل يولد الاستبداد، فإن إطلاقها بلا حدود يفتح الباب أمام الفوضى، ليصبح شعار "الحرية المطلقة فوضى مطلقة" حقيقة لا يمكن تجاهلها.

اللثام الرقمي، بين الحرية والانتهاك  

"اللثام الرقمي" أو الهوية المجهولة التي يختبئ خلفها ملايين المستخدمين، عبر العالم، يرى البعض في "التلَثُّم" وسيلةً ضرورية لحماية الخصوصية وحرية التعبير، في مجتمعات تُقيد الحريات، وتلاحق ممارسيها، يحذر آخرون من تحول "اللثام" إلى ستار، يُغطي خلفهُ ممارسات ضارة ومرفوضة، كما حدث مع اللثام الواقعي في مراحل متأخرة من الانتفاضتين الفلسطينيتين، فبعد أن كان رمزاً للنضال وهوية للمناضلين، اصبح مصدرا للقلق والخوف أحيانا بسبب ممارسات لا وطنية، مارسها "ملثمون" إبان تلك الفترات، نفس الأمر، ربما انطبق على اللثام الرقمي، حيث صار يمارس خلفه، ممارسات مثل التنمر، والتهديد، والتحرش، وحتى نشر الشائعات، والأخبار المضللة إلخ. 

تشير دراسات عالمية إلى أن 35% من مستخدمي الإنترنت يستخدمون هويات وهمية لتجنب التعرض للتمييز أو الانتقام بسبب آرائهم السياسية أو الإجتماعية، وهو حقٌ يُبرر في نظرهم استغلال "اللثام" كوسيلةٍ للنجاة في فضاءٍ لا يرحم، لكن الوجه الآخر لهذا العمل يتمثل في الإحصائيات الصادمة التي تُظهر أن 67% من جرائم التنمر الإلكتروني تُرتكب عبر حسابات مجهولة، وفق تقرير منظمة "كاسبرسكي" لعام 2023، ما يطرح سؤالًا جوهريًا: هل الحماية الحقيقية تكمن في إخفاء الهوية، أم في بناء بيئة رقمية تحترم القواعد وتُحاسب على الانتهاكات؟  

مثل "اللثام التقليدي"، فإن اللثام الرقمي ليس شرًا محضًا، لكنه يتحول إلى أداةٍ مدمّرة عندما يُستخدم لإسكات الأصوات الحقيقية، ونشر الكراهية، وتشويه الحقائق. والحل لا يكمن في محو هذا المفهوم، بل في وضع ضوابط صارمة تُوازن بين حق الفرد في الخصوصية، ومسؤوليته تجاه المجتمع الرقمي، فضلاً عن تعزيز وعي المستخدمين بأثر كلماتهم وأفعالهم خلف "اللثام".

"اللثام الرقمي" في فلسطين لم يعد مجرد أداة تعبير، بل أصبح سلاحاً في حربٍ تُهشِّم نسيج المجتمع، الأرقام الصادمة ليست مجرد إحصائيات، بل هي ندوب على جسد الفضاء الرقمي الفلسطيني، فحرية التعبير لا تعني التخفي لطعن الآخرين، والفرق بين "اللثام" الذي يحمي هوية المناضل، و"اللثام" الذي يخفي المُعتدي هو النية. فهل نختار أن نُبقي هذا اللثام ساتراً للجراح، أم قناعاً للجلادين؟  


وقبل فقرتنا الاخيرة، نضعكم امام بعض الارقام والاحصائيات، فالرقم قوة.

كشف تقرير كاسبرسكي2023، أن ٤٦٪ من مستخدمي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (بما فيها فلسطين) يستخدمون حسابات وهمية أو مستعارة، لأسباب تتراوح بين الخصوصية وتجنب الرقابة.

وفق تقرير (Hootsuite, 2024) فإن ٣١٪ من الحسابات الجديدة على تويتر (X) تُنشأ بواسطة مستخدمين يمتلكون حسابات رئيسية.

أشار تقرير "ميتا للشفافية" إلى أن ٢٧٪ من حسابات فيسبوك تُصنف كـ"غير نشطة أو وهمية.

دراسة مركز بيو للأبحاث،2022 أكدت أن ٦٤٪ من ضحايا التنمر الإلكتروني تعرضوا للهجوم من حسابات مجهولة الهوية.

  وفقاً لتقرير اليونيسف (2023)، تعرَّض ٢٩٪ من الأطفال في ١١ دولة عربية (بما فيها فلسطين) للتنمر الإلكتروني، ٨٦٪ منهم عبر حسابات مجهولة.

التقرير السنوي للمؤسسة العربية لحقوق الإنسان (2023) أن ٦٥٪ من حالات التحرش الإلكتروني ضد النساء في ٨ دول عربية جاءت من حسابات وهمية، وبلغت النسبة في فلسطين ٧١٪ (أعلى من المتوسط الإقليمي).

 وفق مرصد "حملة سايبر فلسطين" (2024)، فإن ٧٦٪ من الهجمات الإلكترونية ضد الناشطين والصحفيين الفلسطينيين تنطلق من حسابات وهمية، بهدف تخويفهم أو تشويه سمعتهم.

حسب المصدر السابق، فانه و خلال الحرب على غزة (٢٠٢٣-٢٠٢٤)، نشرت الحسابات الوهمية ٤٣٪ من الشائعات السياسية المُثبتة، بهدف بث الفرقة بين الفلسطينيين وتشويه الرواية الوطنية. 

 في الختام، نريد كشعبٍ يدافع عن قضية عادلة، ان نستثمر كل جهودنا ضد من يضطهدنا ويحتل أرضنا، نريد استخداماً آمناً لمنصات التواصل الإجتماعي، يوازن بين أمان الناشطين أمام الملاحقة والقمع اللذان يقوم بهما الإحتلال، ضد كل ما هو فلسطينيٌّ وطنيّ، وأمان المجتمع الرقمي بشكل عام، ومنه أمن المجتمع الفلسطيني خارج المواقع، وإن كان أصبح من الصعب الفصل بين الفضائين. نريد أيضاً بيئة قانونية تضمن لي كمستخدم، أن لا أتعرض لأي شكل من أشكال الانتهاك أو الاعتداء، من قبل "ملثم ما"، ليس لأمرٍ، سوى لأنه مخالف لي بالرأي، ويستطيع الهجوم ملثماً تحت ستار المجهولية والظلام، ظلام الانترنت وظلام الفكر.


المصادر:

https://www.kaspersky.com/blog/digital-privacy-mea-report/45885/

https://www.hootsuite.com/resources/digital-trends 

https://transparency.fb.com/ 

https://www.pewresearch.org/internet/2022/01/13/the-state-of-online-harassment 

https://www.unicef.org/mena/reports/children-digital-world-ar 

https://ahrf.org/reports/2023-cyberharassment 

https://cyberpa

lestine.ps/monitoring-reports 


السحر الأسود على الشاشات: كيف تحوَّل "التحليل السياسي" إلى سلاح لتشويش الوعي في زمن غزة

يغطي الدخان والدمار قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023، من بين الدخان والدمار ظهرت على شاشات الفضائيات ومنصات التواصل الإجتماعيّ، جحافل جديدة من "المحللين السياسيين". يطلون علينا بوجوه واثقة، ويتم تقديمهم بألقاب براقة، وخطاب سلس يَعدُ بفك شيفرة الأحداث، والتنبؤ بالقادم، لكنْ، تحت وهج الأضواء، ووراء طوفان الكلمات، تكمن كارثة حقيقية: "الشعوذة السياسية"، آفة العصر التي تستنزف وعي الجمهور وتُشوِّه إدراكه لواقع معاناة شعب بأكمله.

ما هي "الشعوذة السياسية"؟

هي ظاهرة تزايدت كالنار في الهشيم خلال السنتين الأخيرتين، خاصة مع تصاعد وتيرة العدوان على غزة، وتتمثل الظاهرة، في انفجار عدد "الخبراء" و"المحللين" غير المؤهلين علمياً أو مهنياً بما يكفي، والذين يغرقون الفضاء الإعلامي بكمٍّ هائل من التفسيرات المتناقضة، والنظريات المؤامراتية، والتنبؤات، والتحليلات السطحية القائمة على الانطباعات والأجندات، لا على الوقائع والمعلومات الموثوقة، وهو ما قاد ليس للإيضاح، بل للإرباك والاستقطاب والتضليل – أحياناً بقصد، وأحياناً بدافع البحث عن الشهرة أو المصلحة.

أحداث غزة: ساحة العرض الرئيسية

في سياق عدوان الإحتلال الوحشي على غزة، تصل خطورة هذه الظاهرة إلى ذروتها:

1. تشويه معنى المقاومة والاحتلال: يظهر "عرّافي التحليل" ليُدخلوا الجمهور في متاهات النقاش حول "مشروعية" دفاع شعب مُحاصر عن نفسه، أو "حكمة" رد فعل مقاومة تحت القصف، وكأن ثمة معادلة أخلاقية أو قانونية بين الجلاد والضحية. هذا التشويش يُساهم، ولو بشكل غير مباشر، أحياناً، في تطبيع جرائم الاحتلال.

2. التركيز على التكتيكات وإغفال الجوهر: يغرق المحللون الجمهور في تفاصيل معارك افتراضية، وتوقعات عن صواريخ وعبوات، وقراءات لنوايا الزعماء، متناسين الجوهر: إبادة جماعية، تدمير منهجي، مجاعة مُحقّقَة، وانتهاك صارخ لكل مواثيق الإنسانية، يُحوِّلون المأساة إلى "لعبة استراتيجية" على الشاشة.

3. صناعة الأوهام والوعود الكاذبة: تنتشر تحليلات تتنبأ "بانتصار قريب" أو "تدخلات خارقة" أو "صفقات مفاجئة"، تُلهب المشاعر وتُطفئ جذوة الغضب الفاعل، وتُغري الجمهور بالانتظار السلبي بدلاً من المطالبة بفعل حقيقي أو مساءلة حكوماته، كما حولت بعض التحليلات التعاطف الإنساني عبر العالم وكأنه هدف وإنجاز، في حين ما يحتاجه الشعب الفلسطيني حقيقةً هو تأييد عالمي لحقوقه السياسية بإنهاء الإحتلال واقامة دولته المستقلة وتقرير مصيره.

4. التضليل الممنهج والتبرير المقنَّع: يظهر من يلوون الحقائق لتبرير التردد الدولي، أو يختلقون سرديات لتبرير صمت الصامتين، أو يروجون لروايات تخدم الرواية الإسرائيلية تحت غطاء "الموضوعية" و"رؤية الطرفين" في مواجهة بين ظالم ومظلوم.

5. الاستنزاف العاطفي والمعرفي: طوفان الآراء المتضاربة والمعلومات (المُختلطة بالكثير من الأُمنيات والغيبيات) يُسبب إرهاقاً معرفياً وإحباطاً عاطفياً للجمهور، يُشعر المشاهد بالعجز والارتباك، فينسحب من متابعة الحدث الجوهري أو يفقد القدرة على تمييز الحقيقة، وهذا بالضبط ما تريده آلة التضليل الصهيونية وحلفاؤها.

لماذا هذا "السحر" خطير؟

لأنه لا يقتصر على تشويش الصورة فحسب، بل يُشوِّه الوعي الجماعي للجماهير، بمختلف أرجاء الوطن العربي، كما يُضعف التضامن الفاعل، بأن يحوّل التعاطف مع غزة من دافع للضغط السياسي، إلى تركيز على العمل الإغاثي، ومتابعة سلبية للصراعات اللفظية على الشاشات.

   تُقوّض هذه الشعوذة، الثقة في الإعلام ككل: عندما يختلط العمق بالسطحية، والفكر الجاد بالإستعراض، تفقد الوسائل الإعلامية مصداقيتها، حتى تلك التي قد تكون فعلاً، تقدم تغطية مهنية.

   وأخيرا، يُسهِّل التلاعب بالرأي العام، فالجمهور المُشتت والمُربَك أسهل اختراقاً وتوجيهاً لخدمة أجندات سياسية معينة، أو حتى لتقبل رواية الإحتلال، عبر هذه المنصة أو تلك.


كيف نكسر التعويذة؟

هناك إجراءات أساسية، تقوم بها ايها المواطن الجمهور، من أبرزها:

1. التشكيك الدائم: لا تُسلّم بصحة أي تحليل لمجرد ظهور صاحبه على شاشة فضائية أو حصوله على آلاف المتابعين. اسأل: ما هي مصادر معلوماته؟ ما هي خبرته المثبتة؟ هل له أجندة واضحة؟

2. التمسك بالثوابت: الاحتلال ظلم، العدوان على الشعب الفلسطيني جريمة، حق الدفاع عن النفس مقدس، لا تسمح للشعوذة اللفظية أن تُزحزح هذه الحقائق الراسخة.

3. الأولوية للوقائع لا للتكهنات: ركز على ما يحدث على الأرض، أعداد الشهداء، الخسائر وصور الدمار، شهادات الناجين، تقارير المنظمات الحقوقية الدولية (هيومن رايتس ووتش، منظمة العفو، الأمم المتحدة، والمنظمات الفلسطينية المتخصصة)، هذه هي اللغة التي لا تحتاج إلى "تحليل" ملتوٍ، أو فزلكات وتفخيمات كلامية.

4. دعم الإعلام المهني: إبحث عن وسائل الإعلام والمراسلين والمحللين المعروفين بدقتهم ونزاهتهم وتركيزهم على نقل المعاناة الإنسانية والانتهاكات، وليس على التكهنات السياسية غير المبنية على الوقائع الصلبة، إبتعد عن الإحالة إلى الغيبيات، وترجمة الأمنيات إلى خطط، ونتائج كلامية.

5. المحاسبة والمطالبة بالمساءلة: على المؤسسات الإعلامية أن تتحمل مسؤوليتها في فرز الغث من السمين، ووضع معايير واضحة لمن يظهر على شاشاتها كمحلل، ووقف استضافة من يروجون للأكاذيب أو يضللون الرأي العام تحت ستار الخبرة غير المتحققة، ومن ضمن المساءلة والمحاسبة عليك أن تحافظ على وعيك تحت سيطرتك، بالإبتعاد ومقاطعة المنصات والشاشات التي تحاول تهكير وعيك لصالح "سياساتها التحريرية".

في النهاية، وفي زمن غزة، حيث يسفك الدم الفلسطينيّ على مدار الساعة، والجرائم ترتكب في وضح النهار، وأمام عدسات الكاميرات، موثقة بالصوت والصورة واحيانا على البث المباشر، لم يعد لدينا رفاهية الاستماع إلى "سحرة التحليل ومشعوذيه"، فشعوذتهم ليست ترفاً فكرياً، بل سلاحاً في حرب الوعي التي تخوضها آلة الإحتلال وأدواتها لتبرير جرائمها وإسكات صرخات الضحايا، وعينا الجماعي هو خط دفاعنا الأول، لنجتهد في حمايتهِ من التزييف والتهكير، لنرفض أن يكون مشهد غزة مجرد "مادة دسمة" لاستعراضات المحللين. الحق واضح كالشمس، ومعاناة أهل غزة واقع ملموس لا يحتاج إلى من يحلله بقدر ما يحتاج إلى من ينقذه ويدافع عنه، فلنُغمِض إذن أعيننا، ونصُمّ أذاننا عن ضجيج الشعوذة وغبارها، ونفتح قلوبنا وعقولنا على صرخات الحق وأناته القادمة من تحت الأنقاض.