ورشة البحرين الاقتصادية، الخطاب الاعلامي.
العقلانية في مواجهة المغالاة.
شكّل العمق الشعبي العربي مخزوناً استراتيجياً دائماً، تلقائياً وداعماً لحقوق الشعب الفلسطيني عبر مراحل الصراع المختلفة مع الاحتلال. ظهر خلال السنوات السابقة تراجعٌ بمستويات مختلفة في هذا العمق، بحيث اصبح في ادنى مستويات التأييد المعلن، الأمر الذي يستدعي اعادة الاعتبار للعمق الشعبي العربي من خلال توجه "الفلسطينيين" اليه مجدداً بوسائل مختلفة.
يرفض الشعب الفلسطيني وقيادته ورشة البحرين الاقتصادية، وسيرفضون مستقبلا بنفس الدرجة أية فعاليات تصب في نفس الهدف، وقد ظهرت علامات هذا الرفض بمستوياتٍ عدّة، بل انها وعبر وسائل التواصل الاجتماعي بشكل خاص، اتجهت نحو المغالاة بالرفض والعداء لمؤتمر البحرين لتصل حد خطاب عداء موجه "للبحرين الدولة/الشعب"، والسؤال هنا، هل معارضتنا لورشة البحرين تستدعي منا هذه المغالاه في العداء، أم أن الأمر لا يجب أن يتعدى معارضة الورشة التي تعقد على أرض البحرين؟ وهل تراشق خطاب الاستعداء سيمتد ليشمل شعوب كل الدول الراعية والمشاركة في الورشة؟
لا يحتاج الشعب الفلسطيني استعداء الشعوب العربية، ولا يرغب بالتأكيد في تضخم كرة الثلج المتدحرجة التي يغذيها التراشق الاعلامي المتبادل بين نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي الفلسطينيين من جهة، وشعوب بعض دول الخليج من جهة اخرى، مما يهدد بخسارة متزايدة للعمق الشعبي العربي الداعم تلقائيا للشعب الفلسطيني في صراعه ضد الاحتلال، ولا بد ان نسعى لخطاب عقلاني في مواجهة المغالاة التي اعتدنا عليها ما بين ردود الافعال على بعض الممارسات والقضايا، سواء الداخلية او الاقليمية التي تمس الحقوق الفلسطينية ولو بمجرد الكلام. وهنا ضرورة التفريق بين شعوب الدول العربية من جهة، وانظمتها الحاكمة ورموزها من جهة اخرى، فالأنظمة الحاكمة في كثير من الدول العربية هي أنظمة قمعية بوليسية لا تترك مجالا للمواطن للتعبير عما يريد بحرية، وربما كان هذا احد اسباب النهايات المأساوية لثورات "الربيع العربي" في عدد من الدول العربية، وما آلت اليه اوضاع هذه الدول.
لماذا البحرين؟ واقع جيوسياسي.
لا بد هنا من طرح السؤال، لماذا البحرين؟ وللاجابة عليه لا بد من استعراض بعض جوانب الواقع الجيوسياسي لمملكة البحرين، فالبحرين دولة تصنّف من الدول الهشّة، وتشبه بذلك معظم دول الخليج ولكنها اقلها توازنا من الناحية الديمغرافية، والسياسية، وحتى موقعها الجغرافي أمر لا تُحسد عليه، ومن الناحية الديمغرافية فإن وجود الأكثرية الشيعية فيها في ظل حكم أقلية سنيّة تفرض عائلتها الحاكمة سيادتها وسطوتها (تحت الحماية الامريكية والسعودية)، والسيطرة على الثروات النفطية الكبيرة للدولة، وقد يكون النفط هو الامر الوحيد الذي تحسد عليه، وحتى هذا فقد تحول إلى نقمة، فالحماية الأمريكية ليست نتيجة لعلاقة تحالف مبني على النوايا الحسنة، ولكنها حماية منابع النفط البحريني وامداداته، والمحافظة على تدفقه للأسواق العالمية، خاصة الامريكية منها. والحماية السعودية ايضا ليست بدافع الشهامة أو النخوة العربية، فالبحرين بالنسبة للسعودية خنجر يكاد يلامس غشاء القلب، فهي الاقرب الى ايران، وفيها الاغلبية الشيعية المقموعة، والمتهمة دائما بولائها المطلق لايران، وتشتركان معا في مجلس التعاون الخليجي، والجامعة العربية، كما تشتركان في بعض الحقول النفطية الغنية، إلا ان البحرين من ناحية اخرى تعتبر الفناء الخلفي للمملكة العربية السعودية، خاصة الشباب السعودي الباحث عن اللهو والترفيه، وحتى حياة المجون الممنوعة في السعودية بشكل علني حتى فترة قريبة.
تشترك البحرين مع جارتيها الخليجيتين، الامارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية في حلف ثلاثي لمواجهة "الخطر الايراني"، وتحاصر مجتمعةً قطر "الشقيق اللدود"، بحجة تقاربها مع ايران وتهديدها استقرار بعض الدول العربية، وهذا الحلف الثلاثي نفسه، ابتدأ خطوات علنية للتقارب مع دولة الاحتلال، تقاربٌ يسير نحو تطبيع كامل، قد يصبح لاحقاً تحالفا اقتصادياً وعسكرياً علنياً، تقوم فيه الدول الغنية الباحثة عن زعامة مطلقة للعالم العربي، بالاستقواء بالقوة العسكرية لدولة الاحتلال، سواء ضد الخصوم المفترضين "كإيران مثلا" او ضد قوى عربية ناشئة قد تعارض هذه الزعامة مستقبلاً، وهذا التحالف لن يمر بطبيعة الحال الا عبر البوابة الفلسطينية، ونقصد هنا تضحية هذه الدول بمعظم حقوق الشعب الفلسطيني، والضغط باتجاه حل القضية حسب رؤية "نتنياهو-كوشنير" وقلب هذه الرؤية هو سلام اقتصادي وليس سياسي، تدفع معظم تكاليفه نفس الدول الخليجية الثلاث، وهو ما يعني مكسباً مضاعفاً لدولة الاحتلال بالجانبين الإقتصاديّ والسياسي، اقتصاديٌّ بحيث تُضَخُّ استثمارات بالمليارات لترسيخ هذا "السلام" الاقتصادي، يكون لاقتصاد الإحتلال حصة الاسد فيها، وسياسي بحيث سيتم تحييد "المسألة الفلسطينية" حتى لو من باب شراء الوقت، من أجل فرض وقائع على الارض لا يمكن تغييرها، وهذا بالمناسبة هو جوهر سياسة التسلل والسيطرة، التي تنتهجها سلطات الاحتلال في فلسطين منذ عقود ويعتبر الوقت أحد أثمن مكوناتها.
يبدو ان النظام الرسمي في هذه الدول يسير بقوة نحو السيناريو المبسط اعلاه، وليس هناك من كابح او معارض له من الدول الاخرى، سوى دول "محور المعارضة" التي لا تمتلك ادوات التأثير المناسبة اذا ما قيست بالادوات المتاحة بالأموال الخليجية، وحتى "قطر" التي تحاصرها الدول الثلاث بتهمة التقارب مع ايران، هي بدورها اقرب مسافة الى دولة الاحتلال من دول التحالف، وتعتبر حليفا للولايات المتحدة وتحوي اكبر قاعدة عسكرية امريكية على اراضيها، لذا وما دام هذا الحال على الصعيد الرسمي، فليس امامنا سوى المراهنة على الشعوب العربية التي طالما شكلت عمقاً داعماً للقضية الفلسطينية، مناصرا لها في كافة مراحلها، إلا ان هذا الرهان غير مضمون النتائج لأسباب عدة، منها انشغال كثير من الشعوب بقضايا تستحوذ على اهتمامها منها الهم الاقتصادي لشرائح واسعة، منها القمع والتضييق البوليسي التي تمارسه حكومات هذه الدول، وربما قضية الخاشقجي مثال بارز، ومن ابرز الاسباب تأتي مسألة اختلاق عدو وهمي كبير وإقناع هذه الشعوب ان هذا العدو يسعى لابتلاعها ويهدد وجودها "ايران في هذه الحال" وعند وجود "عدو" يهدد الوجود فإن كثيرا من افعال الأنظمة ستكون مبررة _التحالف مع اسرائيل مثلا_ ولا تلقى معارضة تُذكَر. ساهمت هذه الاسباب وغيرها، في وصول حالة التأييد والتضامن الشعبي العربي المعلن، الى ادنى مستوياتها، بل جرى إبراز اصوات "شعبية" خليجية وعربية تهاجم الشعب الفلسطيني بأشكال مختلفة، وتحرض عليه، بل وتكيل المديح لدولة الاحتلال، في محاولات لحرف الوعي الشعبي العربي عن التأييد التلقائي للحقوق الفلسطينية ضد ممارسات الاحتلال، وقد ساهمت ردود الافعال الشعبية الفلسطينية (او بعضها) وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، في تقوية جبهة هؤلاء "المحرّفين" للوعي من خلال طريقة الرد ومحتواه وتوجه ردود كثير من النشطاء الفلسطينيين الى المس برموز الدول وسيادتها، فنحن نشترك مع بقية الشعب العربي بصفات نفسية واجتماعية، تجعلنا نأخذ كثيرا من الامور على محمل شخصي، تأخذنا الحمية والعزّة حتى لو بالإثم) وربما هذا ما حدث مع بعض الشعوب العربية (الخليجية خاصة) وكاد ان يحدث بشكل عميق مع الشعب المصري وإن لأسباب بعضها مختلف.
إن الرهان على الشعوب العربية ودورها الهام في تغيير مسارات حكوماتها، إن لم يكن الآن فربما بالمستقبل القريب لا بد أن يعود لواجهة العمل الدبلوماسي الشعبي الفلسطيني، ولكي يكون هذا الرهان رابحاً لا بد من اتباع إجراءات وتجنب أخرى في التعامل مع الأمور والتواصل مع الشعوب، وربما كان اختبار "البحرين" مناسبة للتركيز على هذا الجانب واعادته للواجهة، فالمغالاة في خطاب العداء لمؤتمر البحرين والتي أوصلت الى مغالاة في خطاب معاداة للبحرين (الدولة/الشعب) بالهجوم تارة وبالسخرية تارة اخرى، أمر لا ينم عن حكمة، صحيح أن الحكمة غالباً ما تغيب عند الغضب، ولكن آن الأوان لإعادة حسابات عميقة، تحبس الغضب في صندوق الكَظْم، وتُحِلّ النقد المعتدل بدل الهجوم الجارح، وانتقاد السياسات بديلاً عن مهاجمة الرموز والسخرية منها، وأن نتوقف عن التصرف مع العرب "انظمة وشعوباً على أننا مركزُ كلّ شيء".
نحتاج في حالتنا هذه لمنظومة تصرفات عقلانية، تستبدل المغالاة والاستعلاء الذي تَحُسّهُ احيانا في خطاب الفلسطيني العادي عبر وسائل التواصل الإجتماعي، تستبدلها بأسلوب خطاب أكثر عقلانية "ودبلوماسية أخوية"، لكن هذه الامور لا تتبدل وحدها. وربما أصبح الرهان على الشعوب العربية حصننا الاخير الذي إن سقط كلياً، "فيا وحدنا" كما قال درويش يوماً.
العقلانية في مواجهة المغالاة.
شكّل العمق الشعبي العربي مخزوناً استراتيجياً دائماً، تلقائياً وداعماً لحقوق الشعب الفلسطيني عبر مراحل الصراع المختلفة مع الاحتلال. ظهر خلال السنوات السابقة تراجعٌ بمستويات مختلفة في هذا العمق، بحيث اصبح في ادنى مستويات التأييد المعلن، الأمر الذي يستدعي اعادة الاعتبار للعمق الشعبي العربي من خلال توجه "الفلسطينيين" اليه مجدداً بوسائل مختلفة.
يرفض الشعب الفلسطيني وقيادته ورشة البحرين الاقتصادية، وسيرفضون مستقبلا بنفس الدرجة أية فعاليات تصب في نفس الهدف، وقد ظهرت علامات هذا الرفض بمستوياتٍ عدّة، بل انها وعبر وسائل التواصل الاجتماعي بشكل خاص، اتجهت نحو المغالاة بالرفض والعداء لمؤتمر البحرين لتصل حد خطاب عداء موجه "للبحرين الدولة/الشعب"، والسؤال هنا، هل معارضتنا لورشة البحرين تستدعي منا هذه المغالاه في العداء، أم أن الأمر لا يجب أن يتعدى معارضة الورشة التي تعقد على أرض البحرين؟ وهل تراشق خطاب الاستعداء سيمتد ليشمل شعوب كل الدول الراعية والمشاركة في الورشة؟
لا يحتاج الشعب الفلسطيني استعداء الشعوب العربية، ولا يرغب بالتأكيد في تضخم كرة الثلج المتدحرجة التي يغذيها التراشق الاعلامي المتبادل بين نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي الفلسطينيين من جهة، وشعوب بعض دول الخليج من جهة اخرى، مما يهدد بخسارة متزايدة للعمق الشعبي العربي الداعم تلقائيا للشعب الفلسطيني في صراعه ضد الاحتلال، ولا بد ان نسعى لخطاب عقلاني في مواجهة المغالاة التي اعتدنا عليها ما بين ردود الافعال على بعض الممارسات والقضايا، سواء الداخلية او الاقليمية التي تمس الحقوق الفلسطينية ولو بمجرد الكلام. وهنا ضرورة التفريق بين شعوب الدول العربية من جهة، وانظمتها الحاكمة ورموزها من جهة اخرى، فالأنظمة الحاكمة في كثير من الدول العربية هي أنظمة قمعية بوليسية لا تترك مجالا للمواطن للتعبير عما يريد بحرية، وربما كان هذا احد اسباب النهايات المأساوية لثورات "الربيع العربي" في عدد من الدول العربية، وما آلت اليه اوضاع هذه الدول.
لماذا البحرين؟ واقع جيوسياسي.
لا بد هنا من طرح السؤال، لماذا البحرين؟ وللاجابة عليه لا بد من استعراض بعض جوانب الواقع الجيوسياسي لمملكة البحرين، فالبحرين دولة تصنّف من الدول الهشّة، وتشبه بذلك معظم دول الخليج ولكنها اقلها توازنا من الناحية الديمغرافية، والسياسية، وحتى موقعها الجغرافي أمر لا تُحسد عليه، ومن الناحية الديمغرافية فإن وجود الأكثرية الشيعية فيها في ظل حكم أقلية سنيّة تفرض عائلتها الحاكمة سيادتها وسطوتها (تحت الحماية الامريكية والسعودية)، والسيطرة على الثروات النفطية الكبيرة للدولة، وقد يكون النفط هو الامر الوحيد الذي تحسد عليه، وحتى هذا فقد تحول إلى نقمة، فالحماية الأمريكية ليست نتيجة لعلاقة تحالف مبني على النوايا الحسنة، ولكنها حماية منابع النفط البحريني وامداداته، والمحافظة على تدفقه للأسواق العالمية، خاصة الامريكية منها. والحماية السعودية ايضا ليست بدافع الشهامة أو النخوة العربية، فالبحرين بالنسبة للسعودية خنجر يكاد يلامس غشاء القلب، فهي الاقرب الى ايران، وفيها الاغلبية الشيعية المقموعة، والمتهمة دائما بولائها المطلق لايران، وتشتركان معا في مجلس التعاون الخليجي، والجامعة العربية، كما تشتركان في بعض الحقول النفطية الغنية، إلا ان البحرين من ناحية اخرى تعتبر الفناء الخلفي للمملكة العربية السعودية، خاصة الشباب السعودي الباحث عن اللهو والترفيه، وحتى حياة المجون الممنوعة في السعودية بشكل علني حتى فترة قريبة.
تشترك البحرين مع جارتيها الخليجيتين، الامارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية في حلف ثلاثي لمواجهة "الخطر الايراني"، وتحاصر مجتمعةً قطر "الشقيق اللدود"، بحجة تقاربها مع ايران وتهديدها استقرار بعض الدول العربية، وهذا الحلف الثلاثي نفسه، ابتدأ خطوات علنية للتقارب مع دولة الاحتلال، تقاربٌ يسير نحو تطبيع كامل، قد يصبح لاحقاً تحالفا اقتصادياً وعسكرياً علنياً، تقوم فيه الدول الغنية الباحثة عن زعامة مطلقة للعالم العربي، بالاستقواء بالقوة العسكرية لدولة الاحتلال، سواء ضد الخصوم المفترضين "كإيران مثلا" او ضد قوى عربية ناشئة قد تعارض هذه الزعامة مستقبلاً، وهذا التحالف لن يمر بطبيعة الحال الا عبر البوابة الفلسطينية، ونقصد هنا تضحية هذه الدول بمعظم حقوق الشعب الفلسطيني، والضغط باتجاه حل القضية حسب رؤية "نتنياهو-كوشنير" وقلب هذه الرؤية هو سلام اقتصادي وليس سياسي، تدفع معظم تكاليفه نفس الدول الخليجية الثلاث، وهو ما يعني مكسباً مضاعفاً لدولة الاحتلال بالجانبين الإقتصاديّ والسياسي، اقتصاديٌّ بحيث تُضَخُّ استثمارات بالمليارات لترسيخ هذا "السلام" الاقتصادي، يكون لاقتصاد الإحتلال حصة الاسد فيها، وسياسي بحيث سيتم تحييد "المسألة الفلسطينية" حتى لو من باب شراء الوقت، من أجل فرض وقائع على الارض لا يمكن تغييرها، وهذا بالمناسبة هو جوهر سياسة التسلل والسيطرة، التي تنتهجها سلطات الاحتلال في فلسطين منذ عقود ويعتبر الوقت أحد أثمن مكوناتها.
يبدو ان النظام الرسمي في هذه الدول يسير بقوة نحو السيناريو المبسط اعلاه، وليس هناك من كابح او معارض له من الدول الاخرى، سوى دول "محور المعارضة" التي لا تمتلك ادوات التأثير المناسبة اذا ما قيست بالادوات المتاحة بالأموال الخليجية، وحتى "قطر" التي تحاصرها الدول الثلاث بتهمة التقارب مع ايران، هي بدورها اقرب مسافة الى دولة الاحتلال من دول التحالف، وتعتبر حليفا للولايات المتحدة وتحوي اكبر قاعدة عسكرية امريكية على اراضيها، لذا وما دام هذا الحال على الصعيد الرسمي، فليس امامنا سوى المراهنة على الشعوب العربية التي طالما شكلت عمقاً داعماً للقضية الفلسطينية، مناصرا لها في كافة مراحلها، إلا ان هذا الرهان غير مضمون النتائج لأسباب عدة، منها انشغال كثير من الشعوب بقضايا تستحوذ على اهتمامها منها الهم الاقتصادي لشرائح واسعة، منها القمع والتضييق البوليسي التي تمارسه حكومات هذه الدول، وربما قضية الخاشقجي مثال بارز، ومن ابرز الاسباب تأتي مسألة اختلاق عدو وهمي كبير وإقناع هذه الشعوب ان هذا العدو يسعى لابتلاعها ويهدد وجودها "ايران في هذه الحال" وعند وجود "عدو" يهدد الوجود فإن كثيرا من افعال الأنظمة ستكون مبررة _التحالف مع اسرائيل مثلا_ ولا تلقى معارضة تُذكَر. ساهمت هذه الاسباب وغيرها، في وصول حالة التأييد والتضامن الشعبي العربي المعلن، الى ادنى مستوياتها، بل جرى إبراز اصوات "شعبية" خليجية وعربية تهاجم الشعب الفلسطيني بأشكال مختلفة، وتحرض عليه، بل وتكيل المديح لدولة الاحتلال، في محاولات لحرف الوعي الشعبي العربي عن التأييد التلقائي للحقوق الفلسطينية ضد ممارسات الاحتلال، وقد ساهمت ردود الافعال الشعبية الفلسطينية (او بعضها) وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، في تقوية جبهة هؤلاء "المحرّفين" للوعي من خلال طريقة الرد ومحتواه وتوجه ردود كثير من النشطاء الفلسطينيين الى المس برموز الدول وسيادتها، فنحن نشترك مع بقية الشعب العربي بصفات نفسية واجتماعية، تجعلنا نأخذ كثيرا من الامور على محمل شخصي، تأخذنا الحمية والعزّة حتى لو بالإثم) وربما هذا ما حدث مع بعض الشعوب العربية (الخليجية خاصة) وكاد ان يحدث بشكل عميق مع الشعب المصري وإن لأسباب بعضها مختلف.
إن الرهان على الشعوب العربية ودورها الهام في تغيير مسارات حكوماتها، إن لم يكن الآن فربما بالمستقبل القريب لا بد أن يعود لواجهة العمل الدبلوماسي الشعبي الفلسطيني، ولكي يكون هذا الرهان رابحاً لا بد من اتباع إجراءات وتجنب أخرى في التعامل مع الأمور والتواصل مع الشعوب، وربما كان اختبار "البحرين" مناسبة للتركيز على هذا الجانب واعادته للواجهة، فالمغالاة في خطاب العداء لمؤتمر البحرين والتي أوصلت الى مغالاة في خطاب معاداة للبحرين (الدولة/الشعب) بالهجوم تارة وبالسخرية تارة اخرى، أمر لا ينم عن حكمة، صحيح أن الحكمة غالباً ما تغيب عند الغضب، ولكن آن الأوان لإعادة حسابات عميقة، تحبس الغضب في صندوق الكَظْم، وتُحِلّ النقد المعتدل بدل الهجوم الجارح، وانتقاد السياسات بديلاً عن مهاجمة الرموز والسخرية منها، وأن نتوقف عن التصرف مع العرب "انظمة وشعوباً على أننا مركزُ كلّ شيء".
نحتاج في حالتنا هذه لمنظومة تصرفات عقلانية، تستبدل المغالاة والاستعلاء الذي تَحُسّهُ احيانا في خطاب الفلسطيني العادي عبر وسائل التواصل الإجتماعي، تستبدلها بأسلوب خطاب أكثر عقلانية "ودبلوماسية أخوية"، لكن هذه الامور لا تتبدل وحدها. وربما أصبح الرهان على الشعوب العربية حصننا الاخير الذي إن سقط كلياً، "فيا وحدنا" كما قال درويش يوماً.