الاثنين، 18 أغسطس 2025

بين المكارثية والسموتريشية: كيف تدمر "الحرب" الديمقراطية في "إسرائيل"

 


شهدت الولايات المتحدة في خمسينيات القرن الماضي، واحدة من أحلك صفحاتها السياسية، حينما قاد السيناتور جوزيف مكارثي حملة شعواء ضد كل من يُشتبه في ميوله اليسارية أو علاقاته بالشيوعية، ولاحقاً، تحول مصطلح المكارثية، إلى مرادف لسياسة التخويف والإقصاء وتشويه السمعة، عبر محاكم تفتيش علنية طالت مبدعين ومثقفين وصحفيين وسياسيين، وصف المؤرخ الأميركي "ريتشارد هوفستادر" المكارثية، أنها لم تكن مجرد سياسة، بل تجسيد عقلية الخوف التي جعلت كل معارض هدفًا مشروعًا للإقصاء".

لم تكن أميركا وحدها في هذا المنزلق؛ فالاتحاد السوفييتي عاش نسخته الخاصة من التطهير الفكري في ظل ستالين، وإسبانيا عاشت أجواء الإرهاب الفكري في عهد فرانكو، والقاسم المشترك بين هذه التجارب جميعًا كان القضاء على التعددية، وتحويل الدولة إلى أداة في يد نخبة ضيقة تحتكر الحقيقة والسلطة معًا.

اليوم، يتكرر المشهد في دولة الإحتلال"، بصورة متجددة، لكن بوجه آخر أكثر خطورة، إذ تتبنى أحزاب اليمين المتطرف خطابًا لا يختلف كثيرًا عن المكارثية الكلاسيكية، فمن يجرؤ على معارضة او حتى انتقاد الحرب على غزة، أو مجرد التشكيك في سياسات الحكومة يجد نفسه في مرمى الاستهداف، تحقيقات بوليسية، فصل من العمل، مطاردة إعلامية، واتهامات بالخيانة. وكما يقول المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه: "كلما واجهت إسرائيل أزمة داخلية أو حربًا خارجية، تلجأ إلى تصعيد خطاب التخوين ضد الأصوات المعارضة لتغلق أي مجال للنقاش الديمقراطي".

لقد تحولت المعارضة السياسية في "دولة الاحتلال" إلى خطر وجودي على أصحابها، الجامعات باتت ساحات تفتيش للطلاب العرب واليهود المعارضين، وسائل الإعلام تخضع لضغوط ورقابة غير مسبوقتين، والنشطاء يتعرضون للاعتقال أو الملاحقة القضائية لمجرد رفع صوت ناقد. يدفع وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، ومعه حلفاؤه من قادة المستوطنين، باتجاه خلق واقع جديد أشبه بديكتاتورية قومية دينية، حيث لا مكان إلا للصوت المؤيد للحرب، ولا مستقبل إلا للمشروع الاستيطاني والهيمنة.

خطورة هذا التحول لا تكمن في قمع الأصوات اليسارية أو العربية وحدها، بل في التهديد البنيوي الذي يحمله لمجمل النظام السياسي،. فحينما تُحصر السياسة في اتجاه واحد وتُجرَّم المعارضة، يصبح الطريق ممهدًا لانهيار ما تبقى من مؤسسات الضبط الديمقراطي،وقد كتب الصحفي الإسرائيلي جدعون ليفي محذرًا: "المجتمع الذي يتعلم أن يقمع أقلية اليوم، سيكتشف غدًا أن القمع يطرق بابه هو أيضًا".

يحمل استمرار هذا المسار تبعات عميقة، فالحياة السياسية الإسرائيلية، التي كانت رغم هشاشتها تعرف قدرًا من التعددية والتداول، ستتحول إلى مجرد أداة لتثبيت حكم المستوطنين، أما "المجتمع الإسرائيلي" نفسه فسيدفع الثمن الباهظ، حيث اتساع الهوة بين التيارات، تصاعد العنف الداخلي، وتراجع الثقة في مؤسسات الدولة، ومثلما أكلت المكارثية أبناءها في أميركا، ستأكل "السموتريشية" أبناء الكيان، إذ ستطال شباك التخوين حتى من كانوا جزءًا من التيار الصهيوني بمجرد أن يبدوا أي تحفظ على استمرار الحرب أو على مشروع اليمين الديني.

 وحول هشاشة الديمقراطية في دولة الاحتلال، قبل الحرب، فقد كانت تعاني من حالة هشاشة بنيوية متراكمة، تجلّت في أزمات سياسية ودستورية متلاحقة، فخلال السنوات التي سبقت الحرب اجريت سلسلة من الانتخابات المتكررة وغير الحاسمة، ما عكس انقساماً حاداً في المشهد الحزبي وغياب توافق وطني حول قضايا جوهرية مثل العلاقة بين الدين والدولة، وحدود السلطة القضائية، ومكانة الأقلية الفلسطينية داخل النظام، كما تصاعدت التوترات نتيجة مشروع حكومة نتنياهو لتقييد صلاحيات المحكمة العليا، وهو ما اعتبره معارضوه محاولة لتقويض أحد أهم ركائز التوازن الديمقراطي، إلى جانب ذلك، عمّقت التوجهات اليمينية والقومية المتشددة الأزمة عبر الدفع باتجاه سياسات تمييزية واستيطانية أضعفت صورة "إسرائيل" كدولة ديمقراطية في نظر قطاعات واسعة داخلها وخارجها. هذه العناصر مجتمعة كشفت أن الديمقراطية الإسرائيلية كانت قبل الحرب عرضة للتآكل الداخلي، محكومة بانقسامات اجتماعية وهوياتية تهدد أسسها المؤسسية والسياسية.

هذه التحولات نحو "مكارثية اسرائلية" ليست عابرة، بل ترتبط بشكل مباشر بالحرب على غزة، وهو الأمر الأخطر، فكلما طال أمد الحرب، ترسخت حالة الطوارئ الدائمة وغُذِّيَت عقلية الحصار والخوف، يقول نعوم تشومسكي: "الحرب الدائمة هي التربة الخصبة لولادة الاستبداد، حتى في أكثر المجتمعات التي تزعم الديمقراطية". الحرب على غزة تُستَخدم لتبرير تقييد الحريات داخل "دولة الإحتلال"، بذريعة "الأمن القومي"، لكن الثمن الفعلي يتجاوز الفلسطينيين إلى قلب المجتمع الإسرائيلي نفسه.

ولعل ما يغيب عن اليمين الإسرائيلي أن حروبه الطويلة لا تُضعف الفلسطينيين بقدر ما تضعف بنيته الداخلية، فالمجتمع الذي يعيش على إيقاع الحرب الدائمة لا يمكن أن يطور حياة سياسية صحية أو اقتصادية مستقرة، يتغلغل الفساد، يتصاعد العنف، وتفقد المؤسسات استقلاليتها، ويلخص المؤرخ الإسرائيلي شلومو ساند، هذه المفارقة بالقول: "إسرائيل لم تعد بحاجة لأعداء خارجيين لتدميرها؛ فقد صنعت داخلها منظومة كفيلة بانهيارها من تلقاء نفسها".

بالنسبة للفلسطيني، فإن ما يجري ليس مجرد شأن داخلي "إسرائيلي"، بل هو مؤشر استراتيجي بالغ الأهمية، فإسرائيل التي تدّعي الديمقراطية وتبرر وجودها في المنطقة بهذا الادعاء، تُفقد نفسها تدريجيًا هذه الميزة، ومع زوال الديمقراطية، تتحول إسرائيل إلى دولة استيطانية صريحة بلا أقنعة ولا رتوش، وهذا يعني أن العالم، عاجلًا أم آجلًا، سيجد صعوبة متزايدة في الدفاع عن نموذجها السياسي، وهنا تكمن إحدى نقاط القوة الفلسطينية: فضح التناقض الإسرائيلي أمام المجتمع الدولي، والتأكيد أن الاحتلال والحرب والاستيطان لا يمكن أن تتعايش مع الديمقراطية الحقيقية.

إن "المكارثية الإسرائيلية الجديدة"، أو ما يمكن تسميته بالـ"سموتريشية"، ليست مجرد أزمة عابرة في السياسة الداخلية، بل مسار متكامل لتدمير البنية الديمقراطية في إسرائيل، استمرار الحرب على غزة لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل ينذر بتحويل إسرائيل نفسها إلى نسخة جديدة من الأنظمة الاستبدادية التي طالما ادعت أنها تختلف عنها، وفي النهاية، فإن الشعوب التي تستبدل التنوع بالقمع، وتقدس الحرب كأيديولوجيا، تُهزم من داخلها قبل أن تُهزم من خارجها، ونحن مقثتنعون ان هذا ما سيحصل بالنهاية، ومقتنعون ان النهاية ليست بعيدة.