الخميس، 1 أبريل 2021

الثقة، الغضب، والاغراء

 مشاعر واراء متفاوتة لدى الفلسطينيين حول عدد القوائم الانتخابية التي تم تسجيلها..

حسنا، بعيدا عن المواقف الحزبية والتنظيمية ومن نؤيد ومن نعارض، أنا أرى في هذا التعدد ايجابيه ملفته، حيث قيام معظم التنظيمات الفلسطينية بتسجيل قوائم انتخابية، إضافة إلى قوائم الحراكات والعشائر والمستقلين، يعني أن الكل الفلسطيني _الا البعض_ مؤمن بالتجربة الديمقراطية الفلسطينية، ومؤمن أن الانتخابات أمر سليم وصحي وضروري، ومؤمن كذلك بالنظام السياسي الفلسطيني..
وهذا أمر إيجابي يجب أن نفاخر به، لا أن نتهكم عليه، أو نستهجنه، أو حتى نقلق منه.
هناك بعض الملاحظات على هامش هذا التعدد (ولن أصنفها سلبيه أو إيجابية)..
أولا: هناك ضبابية في رؤية بعض التنظيمات أو رسائلها، فكيف تجاهر في معارضتها لأوسلو، ومن ثم تترشح لانتخابات مجلس تشريعي هو ثمرة اتفاق اوسلو؟
ثانيا: تجيء الانتخابات _ان حصلت_ بعد انقطاع لأكثر من ثلاث دورات، بمعنى جاءت بعد شهوه وتوق شديدين، ولهذا رأينا هذا "التهافت" أو "التزاحم" أن شئت، وتقديري أنه إن انتظم إجراء الانتخابات بمواعيدها فلن يتكرر رقم ٣٧ ولا حتى ٢٥.
ثالثا: لقد فوتت السنوات الخمسة عشر الفرص على بروز قيادات، أو محاولات نشطاء كثيرون أخذ دورهم في الحياة السياسية، في حين كانت هذه السنوات، سنواتٍ عجاف بسبب الانقسام والظروف الداخليه والإقليمية والدولية، أوصلت الكل الفلسطيني إلى اردأ حالاته.
رابعا: أهمية هذه الانتخابات انها ستنتخب أيضا أعضاء في برلمان عموم الشعب ( المجلس الوطني) وهو أمر ليس هينا وربما لم يدر كثيرا في حسابات معظم المرشحين أو الذين سعوا ليكونوا مرشحين.
خامسا: ستقيس هذه الانتخابات على الأغلب الحجم الحقيقي للتنظيمات على الارض، اعداد منتسبيها وتاثيرهم، نعم إن وجود هذه التنظيمات في الحياة السياسية الفلسطينية أمر مهم ولكن هناك خشية مؤكدة أن عددا كبيرا من الفصائل لن تجتاز نسبة الحسم، ولهذا ربما آثر البعض عدم الترشح وتشكيل قائمة (فبعض التنظيمات حتى لو تحالفت لن يجتاز الحلف نسبة الحسم).
سادسا: حتى الآن تتصرف الكتل (التنظيمية خاصة) على أنها مقبلة على انتخابات حكومة، وربما ستضمّن في دعايتها الانتخابية بنودا كأنها برنامج عمل حكومة (سلطة تنفيذية) مع أنها مقبلة على انتخابات برلمانية (سلطة تشريعية ورقابية).
سابعا: كل التنظيمات خائفة، لا شيء مضمون، ولا تقدير سيكون مطابقا للواقع، لأن كل شيء يخضع لمزاج فئة كبيرة من الشعب.
ثامنا، ٥٣% من الشعب ما انتخب قبل هيك، وهؤلاء شباب، كل مشاكل البلد واحتياجاتها فوق روسهم، افقهم مسدود، غاضبون، بفرغوا كل الطاقة بالانترنت والفيس، كافرين بالتنظيمات، عازفين عن المشاركة السياسية، يشعرون باغتراب، طبعا مع تفاوت في نسب ذلك بينهم (يحتاج هذا مقالا تفصيليا)
تاسعا: مهاجمتك لغيرك لن يجعل منك كتلة افضل.
عاشرا: الاحتلال، أعوان الاحتلال، صنائع الاحتلال، حسابات دول التطبيع، ومحاور السياسة الدولية، من يراها بعيدة عن التدخل والتداخل بالانتخابات، عليه أن يفحص نظر مجددا.

#في_عجالة

الجمعة، 19 مارس 2021

الوطن مش مصاري


انتخابيات..

"الوطن مش مصاري"


دأبت منظومة الاحتلال الاعلامية والامنية والدبلوماسية ومنذ سنوات كثيرة على صناعة وترويج مفهوم خطير بالتعاون مع حلفائها وعملائها في الداخل والخارج، الفكرة ان الفلسطيني يهمه جمع المال يقلق اكثر ما يقلق على الوضع الاقتصادي وان بالامكان تسوية الصراع الوجودي للفلسطيني مع محتليه من خلال دفع الاموال له، مهما كانت صيغة طرح الأمر..

منذ مشروع بيريس للشرق الاوسط الجديد (وربما قبله) بدأ الترويج للحل الاقتصادي، القضية الفلسطينية سوف تحل اقتصاديا اذا وجد الاحتلال قيادة فلسطينية (حتى لو اخترعوها او نصبوها) تؤمن وتوافق على هذا الحل، فمن السلام الاقتصادي الى الازدهار من اجل السلام الى صفقة القرن المشؤومة وغيرها، تعددت صيغ طرح الأمر، عبر مشاريع وندوات ومؤتمرات مثل مؤتمر البحرين الاقتصادي قبل اكثر من عامين، والهدف دائما واحد.

دأبت منظومة الاحتلال على الترويج لهذا الطرح سياسيا واعلاميا ودبلوماسيا، وقد استغلت هذه المنظومة الانتشار الهائل لوسائل التواصل الاجتماعي لتكثف من خلالها طرح هذا المشروع وتكراره مرة تلو اخرى دون كلل او ملل، فقد رأينا منصات كثيرة تروج لهذا الطرح منها " صفحة المنسق، صفحة اوفير جندلمان، صفحة نتنياهو، افيخاي أدرعي، صفحات “Stand with us” الصهيوينة والناطقة بعدة لغات، حتى اصبح هناك من بين الفلسطينيين من اقتنع بالامر واصبح يطبق  الامر في حياته اليومية، ولست اتحدث هنا عن "رأسماليين" فهؤلاء معروف عن بعضهم ارتباطهم برصيدهم البنكي اكثر من ارتباطهم بالوطن، ولست كذلك اتحدث عن "مشتغلين بالسياسة" فهؤلاء بعضهم قد تمت صناعته لهذا الغرض دون غيره، بالرغم من خطورة دور هاتين الفئتين، ولكن اتحدث عن فئة من المواطنين الذين اصبح المال وجمعه اكثر اهمية من القضايا الوطنية، لسنا نقول هنا ان يقعد الناس عن طلب الرزق او تامين عيشة كريمة لأسرهم، بل ان يبقى برغم ذلك الهم الوطني قضيتهم الاهم.

لقد وقع دولة رئيس الوزراء بخطأ غير مقصود من خلال عبارته الشهيرة بدكم وطن اكثر والا مصاري اكثر، وبالرغم من ان جوابي في حينها وفي كل حين هو بالتاكيد وطن، ليس وطن اكثر بل وطن كامل، وبالرغم من النوايا السليمة لرئيس الوزراء، إلا ان الأمر لا يطرق هكذا، فالأمران لا يوضعان في كفتي ميزان للمفاضلة بينهما، لا مقارنة بين الوطن والمال. 

لماذا هذا الحديث الآن، حسنا انها اجواء الانتخابات المعلن عن اجرائها بعد شهرين، فبعد اعلان القوائم الانتخابية، ستبدأ مرحلة الدعاية الانتخابية، والتي سيركز كثير من الكتل ان لم يكن كلها على الجانب الاقتصادي، وسعيها لتحسينه ورفع مستواه بعد فوزهم بالانتخابات التشريعية، بغض النظر عن استطاعتهم ذلك ام لا، لكنها وسيلة لكسب اصوات الناخبين حتى لو كان عبر تسويق الوهم، وهو وهم اقتصادي هنا، مستغلين الاوضاع المعيشية الصعبة لقطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني وهو امر غير قابلٍ للإنكار، ولكنه بالتأكيد لن يستقيم بدعاية انتخابية براقة ملآى بالوعود.

القضايا الوطنية أولى ان تحوز على جلّ محتوى الدعاية الانتخابية، فالناس تريد الوطن "وطنا كاملا" حتى وإن ارادوا تحسين ظروفهم المعيشية والاقتصادية، ولكن كما اسلفنا، لا يجوز مقارنة الأمرين والمفاضلة بينهما، فهي مقارنةٌ مُقامِرَةْ، وخطيرة.

قد يقول البعض، انه حتى الوعود التي ستطلقها الكتل بالقضايا الوطنية بعضها صعب التحقيق وبعضها مستحيل، فلنذهب الى تحسين الاقتصاد والذي وان حمل وعودا صعبة التحقيق الا ان التقدم فيها اسهل، والفائدة فيها اكثر للجميع، والناس بدها تعيش وتترزق، مش بدها تنسجن وتموت !!! هنا سنعود لتنفيذ الاهداف التي سعى الاحتلال لتحقيقها بهذا الجانب، انشغال الناس بالاقتصاد والمال، ثم الازدهار، وبالتالي فإن المكاسب الاقتصادية ستفوز حتما عند مقارنتها بالقضايا الوطنية، فالرخاء سيعني حتما ارتخاء ثم انسحابا تاما عن المطالبة بالقضايا الوطنية التي تحمل اثمانا لا بد من دفعها بدءا من الاثمان المالية، مرورا بالتضحية بالحرية في حالة الأسرى، أو حتى التضحية بالدم والروح في حالة جرحى النضال وشهدائه. 

 لا زلت اذكر حتى الان يافطة انتخابية لأحد المرشحين في انتخابات العام 1996 حيث كانت تقول "فلسطين اليوم، يابان المستقبل" لا ادري بم كان يفكر مصمم هذا الشعار في حينه، لكنه كان يسوّق وهماً وربما كان واهما هو نفسه. ارجو ان لا تحاول كتلة ما تسويق ذات الوهم وإن بصيغة مختلفة، كما ارجو ان لا تكون كتلة ما واهمة فعلا بما تسوّق.

ختاما، في احد استطلاعات الرأي التي نفذت خلال عام 2020، تم سؤال المُستطلَعين، حول ما هو برأيهم التهديد الاكبر لأمانهم وأمان عائلاتهم، ومن بين اربعة عشرة خياراً، حاز الاحتلال على المرتبة الاولى، تلاه الوضع الصحي، ثم مجموع الاجوبة التي احتوت على الجرائم وانتشارها، وحل الاقتصاد في المرتبة الرابعة، وللانصاف نقول ان القلق من الوضع الصحي وتهديده، كان أمرا ظرفيا بسبب وباء كورونا المنتشر في حينه، وبالامكان استبعاده من الصورة ليحل الهم الاقتصادي بالمرتبة الثالثة. اذا فإن الوطن والتناقض مع الاحتلال لا زال الهم الاكبر لدى معظم فئات الشعب الفلسطيني، لانهم يعلمون كما كانوا دائما ان الكرامة والحرية وتقرير المصير اهم من كل القضايا _بالرغم من اهميتها_ إلا ان الاحتلال اصل كل تردٍّ يصيب شعبنا، ولا بد ان تستقيم كل الامور عند زواله، وهو أمر نؤمن انه سيتحقق مستقبلا، والمدة بين الىن والاستقلال تحددها بالتاكيد إرادة الشعب وابقائه على قضاياه الوطنية حيّة، وجزءا من حياته اليومية.

عزيزي المرشّح (فرداً ام كتلة) لا تكن سببا في ثني ارادة الشعب، بإبعادك القضايا الوطنية عن سلم اولويات دعايتك الانتخابية، او حتى بإزاحتها الى ترتيب متأخر، فالوطن اولاً، ولا مقارنة بغيره من الاولويات.