الأربعاء، 2 مارس 2022

خطاب السلطة، وسلطة الخطاب

"خطاب السلطة، وسلطة الخطاب"

في كتابه الشهير والهام "الخطاب والسلطة" لم يتوانَ المفكر العظيم "توين فاندايك" بل واسهب في  نقد المركزية الغربية، ويسِمُها بأنها تُقدِّم النفس بصورة ايجابية، في حين تقدم الآخر بصورة سلبية، فالخطابات المختارة في كتاب الخطاب والسلطة تفيض بهذه الاستراتيجيات لتجميل الذات وتحقير الآخر، والصادرة عن عقلية تبريرية، تتلاعب في الخطاب للوصول إلى مآربها في الهيمنة على عقول المتلقين والفئات المستهدفة، فيلجأ أصحاب الخطاب إلى خُدع وتكتيكات استراتيجية عبر البلاغة وحبْك الخطاب الجدلي، المتلاعب بالألفاظ، والمجترح لاستدلالات مموَّهة، وغيرها من الآليات والإمكانات التي تختزلها هذه الخطابات؛ وصولاً إلى توجيه الحقيقة نحو مسرب محدد يتطلع إليه #مُنتِج الخطاب

إن نفوذ النخب الحاكمة يتحدد بمدى نفاذها للخطاب العام، وهو ما يتحقق بملكية وسائل الإعلام، الإخبارية والترفيهية على حد سواء، فيصبح المالك منتجاً للخطاب الذي يخدم أيديولوجيته، ورؤيته، وبالتالي حتما يخدم مصالحه.

والمتابع للمحتوى الإعلامي حول الأزمة في اوكرانيا، يشاهد جليّا كيف أن ملكية القوى الغربية لوسائل الإعلام الكبرى في العالم، تلعب دورا بارزا في تسويق "رؤية ورأي" هذه القوى للأحداث. 

ومع تعمق قليل نرى أيضا الدور المنافق الذي يلعبه مالكي البنية التحتية للإعلام، خاصة منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقاته، مثل فيسبوك وتويتر وريديت، وغيرها، في عمليتي إبراز وتغييب الخطاب، حسب موقعه من رؤية أصحاب هذه المنصات غير المنفصلة أو المخالفة لرؤية القوى السياسية والمالية الغربية "أمريكا ودول الاتحاد الأوروبي" وحلفاؤهم كذلك، وان كانوا لا يبتعدون كثيرا عن دور "الأتباع المخلصين" الذين لا يحيدون عن سياسة "السيّد" بل لا يملكون مثل هكذا قرار..

لقد أظهرت الأزمة الأوكرانية بشكل جلي، خاصة لنا نحن المستضعفون العزّل، ولكن أصحاب الحق، كمية وعمق النفاق، والعنصرية والكذب، الذي يميز سياسة هذه الدول، ويظهر جليّاً في خطابها الإعلامي، بل وفي ممارساتها الفعلية، حيث لا تَساوٍ بين البشر من وجهة نظر هذه القوى، فهناك الجزء المتحضر والمتمثل بالرجل الأبيض الغربي، وهذا له مجموعة من الاعتبارات والقيم، وهناك بقية العالم "الأدنى قيمة" والذي بدوره له مجموعة مختلفة من الاعتبارات والقيم، تبقيه أدنى دائماً

هنا نعود إلى تحليل وافكار "فاندايك" لنرى كيف أن الخطاب سلاح خطير، يحوز مالكيه الحاليين، سطوة هائلة في تغيير الرأي العام، وتشكيله وتوجيهه، بينما يقف المتلقون، عزّلا، الا من آراء محدودة الانتشار، بل ومحاربَةً من قبل أباطرة المنصات الاجتماعية، ومغيّبة عن الظهور على الشاشات وصفحات الجرائد واسعة الانتشار.

وهنا مجال للتساؤل، اذا كانت هذه الدول التي تروّج للديمقراطية والحقوق والمساواة وقيم العدل، تخالف في ممارساتها كل ما تسوّقه لنا، فما حال بقية الأفكار والقيم "البضائع" التي تسوقها في المجتمعات "المتخلفة" مثلنا "حسب تصنيفهم".

ختاماٌ، هناك قول معروف وهو "من يدفع للزمّار يختار اللحن" وهنا نحن في وضعٍ فيه الزمار والمزمار واللحن والممول هم كيان واحد متناغم.. والمعزوفة برغم #نشازها الجليّ، إلا أن كثيرا من الجماهير تصفق وتتمايل طرباً.


*باحث في شؤون الإعلام والمجتمع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق