الخميس، 25 يونيو 2026

آليات إنتاج "الوعي القمعي" في السياق الفلسطيني

عبدالله زماري، باحث في الإعلام والرأي العام، وتحليل الخطاب

يُعد مفهوم الوعي القمعي من أكثر المفاهيم حساسية وإرباكاً في السياق الفلسطيني، لأنه يلامس نقطة التقاطع بين مشروعية التحرر الوطني، من جهة، وآليات الهيمنة الأيديولوجية داخل المجتمع نفسه من جهة أخرى، فحين يعيش مجتمع ما، تحت استعمار طويل، وحصار متعدد الأبعاد، يصبح نقد البنى الداخلية للسيطرة، مسألة شديدة التعقيد: إذ كيف يمكن مساءلة خطاب يرفع لواء المقاومة، أو يتكئ على رمزية الدين، دون أن يُفهم ذلك بوصفه طعناً في القضية نفسها؟ هنا تحديداً يتشكل المجال الخَصْب لإنتاج وعي مقولب، يتماهى مع أدوات القمع بدعوى حماية الثوابت، فيتحول جزء من المجتمع – عن غير وعي في الغالب – إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة، بدل أن يكون فاعلاً في كسرها، او على الأقل حريصا على حماية التعددية وحرية التفكير والتعبير.

نحاول تالياً، تفكيك آليات إنتاج "الوعي القمعي" في السياق الفلسطيني من خلال رصد عدد من التكتيكات الخطابية والعملية التي تتقاطع فيها العقيدة مع السياسة، وتتعانق فيها قداسة المقاومة مع احتكار قرارها، بما يجعل أي محاولة للنقد أو المراجعة تبدو في نظر قطاعات واسعة من الجمهور نوعاً من الخيانة أو التجديف.

الوعي القمعي:

لا بد قبل الغوص في تفكيك اليات إنتاج الوعي القمعي، أن نفهم عما يدور الحديث، في كل مرة نكتب فيها هذا المصطلح، فالمعنى الذي يتبناه الكاتب للوعي القمعي هو: مجموعة المعتقدات والمواقف والسلوكات الجماعية التي يُظهر فيها الأفراد استعداداً لتبرير قمع الآراء المختلفة، والدفاع عن السلطة/الجماعة المهيمنة، وممارسة التخوين أو النبذ أو الإسكات بحق المخالفين، باعتبار ذلك حمايةً للدين أو الوطن أو مشروع الجماعة السياسي.

بمعنى ادق، فالوعي القمعي، حالة ذهنية واجتماعية، يصبح الإنسان فيها:

1. ينظر إلى السلطة المهيمنة (سياسية، دينية، حزبية أو اجتماعية) بوصفها المصدر الحصري للحقيقة والشرعية والمعيار الأخلاقي.  

2. يفسّر أي نقد أو اختلاف مع الحركة لا كحق مشروع، بل كتهديد أو خيانة 

3. يمارس رقابة مشددة على أفكاره وتعبيره خوفاً من النبذ أو الاتهام، فيكبت ميوله النقدية بنفسه.  

4. يتحول من مجرّد خاضع للسلطة إلى رقيب على الآخرين، فيشارك في تخوينهم وتشويههم وإسكاتهم، معتقداً أنه يحمي الدين أو الوطن أو الجماعة.

آليات إنتاج الوعي القمعي

لا يمكن بسهولة حصر كل آليات انتاج الوعي القمعي، في المجتمعات كافة، حيث لكل مجتمع خصوصياته الثقافية والتاريخية والسياسية والقِيَميّة، ولكننا سنحاول مناقشة ابرز آليات تكوين هذا النوع الخطير من الوعي، في المجتمع الفلسطيني، وقد يقاس عليه ما يجري في المجتمعات العربية من انتاج او محاولة إنتاج هذا النوع من الوعي الذي يحوّر الوعي الجمعي ويحتكره منتجاً وعيا قمعياً، سبق تعريفه، وأبرز هذه الآليات هي:


أولا: تقديس السياسي واحتكار المشروعية الأخلاقية

يتصدر هذه التكتيكات دمج الفاعل السياسي بالمدلول الديني، بحيث لا يعود القرار الحزبي مجرد اجتهاد بشري قابل للأخذ والرد، بل يُغلَّف بصبغة الواجب العقائدي والالتزام الإيماني، هذه الآلية تعيد تشكيل الوعي من خلال نزع المشروعية الوطنية والأخلاقية عن أي صوت معارض؛ فالمخالفة السياسية لا تُصنَّف كوجهة نظر مختلفة، بل تُربط نفسياً بالوهن في العقيدة أو الارتهان لأجندات خارجية، او الخيانة لصالح المحتل، ومع الوقت، لا يعود المواطن بحاجة إلى من يقمعه من الخارج؛ إذ يكفيه الشعور بالذنب الديني أو الوطني كي يمارس على نفسه رقابة ذاتية قاسية تمنعه من التفكير النقدي أو الجهر بالاعتراض، أو حتى التفكير بشكل مختلف عن "الجماعة".


ثانيا: احتكار سردية المقاومة وربطها بالهوية الفرعية

يتجلى تكتيك آخر، في إعادة صياغة التاريخ النضالي الفلسطيني المشترك وتأطيره داخل مصفوفة أيديولوجية بعينها، فيتم تقييد الوعي الجمعي هنا عبر تكريس فكرة أن المقاومة، باعتبارها جوهر الهوية الفلسطينية، قد وُلدت أو تبلورت حصراً مع صعود تيار محدد، بذلك يُهمَّش الإرث التعددي للحركة الوطنية الفلسطينية، الذي ساهمت فيه تيارات قومية ويسارية ووطنية مستقلة، هذا الاختزال الخطير، يحوِّل الهوية الجامعة إلى هوية فرعية مشروطة بالولاء الفكري للتيار المهيمن؛ فمن لا ينتمي إلى هذه الدائرة الأيديولوجية يُستبعَد ضمناً من دائرة الشرعية النضالية، بل يجري تخوينه، مهما كانت تضحياته أو التزامه الوطني.


ثالثا: التوظيف الرعائي وبناء التبعية الهيكلية

في وطن يرزح تحت الاحتلال، وممارساته العنيفة وسياساته الهدامة، ومع ما يرافق ذلك من ضغوط وانهيارات اقتصادية وضعف مؤسساتي، يصبح ملء الفراغ الخدمي والاجتماعي أداة فائقة الفاعلية في تشكيل الوعي، عبر شبكات العمل الخيري والإغاثي، تتشكل منظومة رعاية لا تقتصر على تقديم الدعم المادي، بل تربط بين البقاء المعيشي والانضباط السياسي، وبمرور الزمن، يتكوَّن وعي جمعي يرى في موارد العيش امتداداً لسلطة سياسية أو تنظيمية بعينها، فتصير القدرة على النقد أو التمرّد الفكري مهددة بثمن اجتماعي ومعيشي باهظ، هكذا يتحول الاحتياج الإنساني الطبيعي إلى أداة ضبط ناعمة، تجعل الصمت شكلاً من أشكال الحماية الذاتية، ربما يلاحظ هذا كثيرا في الضفة الغربية، لكنه برز بشكل لافت في قطاع غزة خلال حرب الإبادة الحالية، وبشكل اقل بروزا خلال سنوات الحصار التي اعقبت انقلاب حركة حماس على الشرعية واستئثارها بحكم قطاع غزة بالقوة والبطش، ومن هنا، ربما، نجد هذا التفاوت الكبير في الفهم وتقدير الأمور، ما بين مواطني قطاع غزة من جهة، ومواطني الفة الغربية، وبشكل اكثر تباينا فلسطينيي الشتات، من جهة أخرى.

رابعا: هندسة الفضاء العام وفرض الرقابة القيمية

من بين أخطر آليات إنتاج الوعي القمعي تلك التي تعمل على إعادة تشكيل المظاهر الاجتماعية والثقافية في الفضاء العام باسم حماية الأصالة أو صون النسيج الأخلاقي. هنا لا يُجرى ضبط السلوك من خلال نصوص قانونية مباشرة فحسب، بل من خلال منظومة قيمية تجرّم أنماطاً معينة من الوجود الثقافي أو التعبير الاجتماعي، وتُقصي المختلف تحت لافتة المحافظة على الثوابت، وتكمن خطورة هذا التكتيك بأنه ينقل أدوات القمع من يد السلطة السياسية إلى يد المجتمع نفسه؛ إذ يتحول الأفراد إلى رقباء على بعضهم بعضاً، فيحرسون بوابات اللباس والكلام والفن والنقاش العام، في هذه اللحظة تحديداً، يصبح الوعي القمعي جزءاً من البنية الثقافية اليومية، لا مجرد قرار فوقي عابر.

خامساً: تعزيز وتغذية نمط التفكير بالتمنّي

يتجلى استخدام "التفكير بالتمني" كآلية لإنتاج الوعي القمعي في المجتمع الفلسطيني في استبدال القراءة المادية العلمية لموازين القوى والمعادلات الجيوسياسية بحتميات غيبية وتبشيرية عاطفية، تُغذى وتُضخّم عبر الفضاء الرقمي. 

يعمل هذا النمط على مأسسة "الوهم الجمعي" كبديل عن التقييم والمراجعة، حيث يُعاد تأطير الكوارث الواقعية والأزمات البنيوية الناتجة عن القرارات السياسية والميدانية، لحركة حماس "مثلا" على أنها "ابتلاءات" حتمية تسبق النصر الموعود، ويتم من خلالها تمييز المؤمن عن الكافر، هذا التوجيه يحوّل الوعي القمعي إلى ممارسة ذاتية، إذ يمارس الفرد الرقابة القسرية على نفسه وعلى محيطه، ويرفض غريزياً أي سؤال عقلاني يتعلق بالجدوى والكفاءة، لاعتقاده أن نقد الأداء المادي هو تشكيك في الحتمية التاريخية أو الدينية نفسها.

وفقاً لعلم الاجتماع الرقمي، تلتقي هذه البنية التعبوية مع معمارية الخوارزميات وصناعة "التريند" لتنتج وعياً استسلامياً متدثراً برداء الثورية، ينزل بالجماهير من مقعد "الفاعل السياسي والمحاسِب" إلى مقعد "المنتظِر المنفعل"، والمتحفّز "لضرب" الآخر، تقوم المنصات بمكافأة وتضخيم "الانتصارات الوهمية واللحظية" لأنها الأكثر حصداً للتفاعل، مما يبني جداراً سميكاً يعزل المجتمع عن إدراك فداحة الواقع، في هذه البيئة، يُستغل التفكير بالتمني كأداة قمعية ناعمة لحماية النخب والفصائل المهيمنة من المسؤولية والمحاسبة؛ حيث يُصنّف أي صوت واقعي يحذر من الكلفة أو يدعو لقياس علمي للميدان كمُرجِف، مُثبّط، أهل دثور، طابور خامس، خائن.. إلخ، تجب تصفيته واغتياله معنوياً، لتتحول الجماهير بفعل الشحن العاطفي إلى حارسٍ يدافع عن سجن وعيه الخاص، يصفق للوهم المريح وينكّل بالحقيقة المزعجة.


سادساً: الاستقطاب الرقمي وإدارة الوعي الإنفعالي

مع تحول الفضاء الرقمي إلى المسرح الرئيسي لتشكّل الرأي العام، تظهر تكتيكات جديدة لإنتاج الوعي القمعي تعتمد على بناء غرف صدى مغلقة، تُغذَّى بخطاب تعبوي مرتفع النبرة، عالي الشحنة العاطفية، منخفض الحساسية تجاه التعقيد. في هذه البيئات الرقمية، لا يُسمح للأسئلة المتعلقة بالكفاءة أو بالخيارات الاستراتيجية أن تأخذ حيزها الطبيعي؛ إذ يجري استبدالها بثنائيات حادة من قبيل مع أو ضد، وطني أو خائن. هنا يُستَبدَل النقاش العقلاني بحالة استنفار دائم، تجعل أي محاولة للتفكير الهادئ تبدو نوعاً من التخاذل أو العمالة، فيتراجع الوعي النقدي لصالح وعي إنفعالي سريع الاشتعال، سريع الحكم، وسريع النسيان كذلك، ولأن الإعلام والمنصات الرقمية، أصبحت هي الأداة الأبرز والأقوى في تشكيل الوعي " الفردي والجمعي " ومنه القمعي ايضا" نرى ضرورة التوسع في هذه الجزئية، حيث تتداخل مجموعة من العوامل في تعزيز وترسيخ بنية الوعي القمعي، عبر اداة منصات التواصل الاجتماعي، منها:

المعمارية الخوارزمية كبنية تحتية للقمع

المنصات الرقمية ليست مساحات محايدة؛ إنها مصممة وفق ما يعرف "باقتصاد الانتباه"، حيث لا تفضل الخوارزميات، الحقيقة أو العقلانية، بل تُفضّل "التفاعل" 

ظاهرة غرف الصدى: تقوم خوارزميات "التوصية" او ادارة تفضيلات المستخدم، بعزل المستخدم داخل فقاعة من الأفكار التي تشبهه تماماً، في السياق الفلسطيني، هذا العزل يحوّل الفصائلية أو الأدلجة من مجرد خيارات سياسية إلى "هويات مغلقة".

تغذية الإنفعال: المحتوى الذي يثير الغضب، أو الخوف، أو الفخر القومي المتطرف يحصد أعلى نسب مشاركة، الخوارزمية هنا تتدخل كـ "مُعجّل قمعي"؛ لأنها تدفع بالخطاب الأكثر حدة وثنائية إلى الصدارة، بينما تُخفي الأطروحات التحليلية المركبة خلف "جدار الصمت الرقمي" لقلة التفاعل معها.

2. سيكولوجية "الاستنفار الدائم" وسحق المجال العام

في علم الاجتماع الرقمي، يُطلق على الحالة المذكورة في النص اسم "الغضب الأخلاقي الرقمي"في الحالة الفلسطينية، يجري استغلال هذا الغضب وتوجيهه بشكل منظم، لضمان كل من:

نزع الشرعية عن الأسئلة البنيوية: عندما يغيب النقاش العقلاني، تصبح الأسئلة البديهية حول "كفاءة الإدارة"، "جدوى الخيارات الاستراتيجية"، أو "الفساد والمحسوبية" بمثابة "خيانة". الوعي القمعي هنا يُقنع الفرد بأن طرح السؤال في وقت الأزمة هو إضعاف للجبهة الداخلية.

الإرهاب الفكري الرقمي: تُمارس المجموعات المنظمة (أو الجيوش الإلكترونية/الذباب الرقمي) ما يُعرف بـ "الاغتيال المعنوي". أي صوت يحاول تفكيك المشهد بهدوء يُصنّف فوراً ضمن ثنائية (وطني/خائن)، ممّا يدفع الكتلة الحرجة من المثقفين أو المواطنين العاديين إلى ممارسة "الرقابة الذاتية"، خوفاً من النبذ أو التخوين.

3. الوعي الإنفعالي: سريع الاشتعال، سريع النسيان

هذه المفارقة هي جوهر "الوعي القمعي الرقمي"، فالخوارزميات تصنع وعياً "لحظياً" يعيش على "التريند"، والقضيّة اللّحظية، وهو ما يقود لأحد أمرين، أو كليهما:

غياب التراكم المعرفي: الوعي الإنفعالي يشتعل بسرعة مع كل أزمة (اعتقال سياسي، قرار حكومي، مواجهة ميدانية)، لكنه يطفو على السطح دون النفاذ إلى الجذور.

- إدارة النسيان: إن سرعة تدفق "التغذية الإخبارية"، تجعل الذاكرة الجمعية الرقمية قصيرة المدى جداً، الوعي القمعي يستفيد من هذا؛ إذ يتم تشويه الوعي في اللحظة الراهنة، مع ضمان أن الجمهور سينسى تفاصيل هذه الأزمة بمجرد بروز "تريند" جديد، مما يحمي البنى القمعية (سواء كانت سلطوية أو فصائلية) من المحاسبة التاريخية أو التقييم الاستراتيجي التراكمي.

4. الخصوصية الفلسطينية: تقاطع القمع المركّب

في المجتمع الفلسطيني، لا يعمل الاستقطاب الرقمي في فراغ، بل يتغذى على ظروف استثنائية:

الانقسام الجغرافي والسياسي: غرف الصدى الرقمية تعكس وتُعمّق الانقسام (فتح وحماس، الضفة وغزة، الداخل والشتات، الخ). العجز عن الالتقاء الفيزيائي اسوة بالالتقاء الايديولوجي، يفرض الاعتماد الكلي على الفضاء الرقمي، مما يجعل الأخير ساحة بديلة لتصفية الحسابات السياسية بدلاً من إيجاد المشتركات، والبناء عليها.

القمع المركّب (الاحتلال والسلطة الأيديولوجية المغلقة): إلى جانب قمع الخوارزميات وسياسات الحظر والتعتيم، يقع المواطن الفلسطيني بين فكيّ سلطات الاحتلال وممارساته القمعية الإلغائية، وبين سلطة الأيديولوجيا المحلية، لفصائل فصائل تستخدم نفس هذه المنصات لإعادة إنتاج أدوات السيطرة وتوجيه الرأي العام عبر أدوات الشحن العاطفي لضمان الولاء الأعمى لها، تحت مسمى الولاء للدين والله، الذين احتكرتهما خلال مسيرة انتاج الوعي القمعي تراكمياً.


سابعاً: ترسيخ وهم القدرة في أذهان الجمهور.

يتجلى تعزيز حركة حماس لـ "وهم القدرة" بين جماهيرها، كآلية ممنهجة لإنتاج الوعي القمعي، تعتمد على فك الارتباط بين الإمكانات المادية الحقيقية والفعل التعبوي على الأرض، من خلال خطابات مشحونة تضخم الإنجازات الموضعية وتحولها إلى تحولات استراتيجية كبرى، يُعاد صياغة الوعي الجمعي، ليعتقد بامتلاك قدرة ردع وتغيير تفوق الواقع الجيوسياسي المعقد بكثير، وتفوق القدرة الحقيقية كثيرا، هذا "التضخيم المصطنع للقدرة" لا يهدف فقط إلى رفع الروح المعنوية، بل يتحول إلى أداة قمعية ناعمة؛ إذ يُلغي ابتداءً، مشروعية السؤال عن "موازين القوى" أو "كلفة الخيارات"، وأي محاولة لتقييم المخاطر بموضوعية، يَصِمُهَا بالهزيمة النفسية أو العجز، وكثيرا الخيانة، بالتالي، يصبح الجمهور واقعاً تحت سلطة وعي قسري، يرى في التقييم العلمي للواقع خيانة للثوابت، ممّا يحرم المجتمع من بناء استراتيجيات صمود مرنة وحقيقية تعتمد على حسابات الكسب والخسارة الملموسة.

وفي السياق الرقمي والاجتماعي، يتغذى هذا الوهم على آليات "البروباغندا الفصائلية" التي تجد في خوارزميات المنصات بيئة مثالية لإنتاج "انتصارات رقمية" متلاحقة تعزل الجماهير عن فداحة الأثمان المترتبة على أرض الواقع، إن مأسسة وهم القدرة تفرغ المجال العام من وظيفته الرقابية وتنقله من مقعد المساءلة إلى مقعد "التفويض المطلق"، حيث يُقنع المواطن بأن القيادة تمتلك من الأدوات والخطط ما يتجاوز مداركه، وأن دوره ينحصر في الدعم والتصفيق، هذا الوعي الإنفعالي الموجه يُنتج بيئة إرهاب فكري داخلي، حيث يتطوع الأتباع والجمهور المشحون _بفعل وهم القوة والقدرة_ بقمع الأصوات المحلية الهادئة واغتيالها معنوياً، باعتبارها أصواتاً "توهن عزيمة الأمة"، لتتحول الحاضنة الشعبية، تحت تأثير هذا التخدير الاستراتيجي، إلى حارس شرس للبنى القمعية التي تحمي النخبة السياسية والميدانية من أي مراجعة أو محاسبة تاريخية.

ختاماً:

يتشكل الوعي القمعي في السياق الفلسطيني عبر توليفة بنيوية تُهندسها النخب المسيطرة، تتقاطع فيها قداسة القضية العادلة مع السلطة الرمزية للخطاب الديني والأخلاقي، وتُدعم بشبكات رعاية اجتماعية وهيمنة رقمية وخوارزمية مكثفة، تفلح هذه المنظومة في نقل القمع من ممارسة سلطوية عمودية إلى "بنية ذهنية داخلية" تتبنى الجماهير بموجبها القيود المفروضة على عقولها، كجزء من الهوية والوطنية، لينتج عن ذلك انقلاب مفاهيمي حاد، يتبدل فيه موقع الضحية والجلاد، حيث يتحول الفرد المقموع _بفعل التوجيه الإنفعالي وتغليب الحتميات الغيبية ووهم القدرة_ إلى حارس متحمس للمنظومة التي تقهره، يمارس الإرهاب الفكري والاقصاء ضد كل صوت عقلاني يحاول ممارسة المساءلة أو النقد البنيوي لخيارات القيادة وأدائها المادي.

بناءً على ذلك، تتبدى معركة الوعي كجوهر ومحدد أساسي لمشروع التحرر الوطني، إذ إن تخلّي أي حركة مقاومة عن حماية التعددية وحق المجتمع في المراجعة يؤول بها حتماً إلى إعادة إنتاج ذات البنى الاستبدادية التي تدعي مناهضتها. إن تحصين المجتمع من الانزلاق نحو محاكم التفتيش الرقمية والسياسية والتخوين باسم الدين والوطنية يتطلب فصلاً صارماً بين "قداسة القضية" و"بشرية الأطر التنظيمية"، والانتقال من مربع "الوعي الإنفعالي القمعي" إلى أفق "وعي تحرري نقدي" يدرك أن صون الحرية الداخلية ومقاومة تغوّل الجماعة على العقل هما الشرطان الأساسيان لمقاومة الاستعمار على الأرض وحفظ كرامة الإنسان.

انتهى 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق