على مدار سنوات صراعه مع الاحتلال، ونضاله لنيل حريته وحقه بتقرير المصير، دأب الفلسطيني _بشكل رئيسي_ على تبني أحد خطابين، الاول خطاب الضحية، والثاني خطاب البطولة، وقد خدم شكلا الخطاب القضية الفلسطينية في مراحل سابقة، مع اختلاف جماهيرهما، وأدواتها في فترات زمنية سابقة. لكن الأزمنة تتغير، وتتغير معها الادوات والأولويات، وكذا الأساليب، وكان مطلوبا من صانع الخطاب "الفلسطيني" تكييف أدواته ومحتوى خطابه، ليتناسب مع الحدث والجمهور، والسياق العالمي والإقليمي.
وعندما نقول "خطاب" فإن هذا يتضمن _من بين ما يتضمن_ رسائل وأهداف سياسية، ثم بالتأكيد وبشكل غير منفصل، الجانب الاعلامي، فالاعلام هو القناة التي نصل من خلالها إلى العالم.
خطاب الضحية، كما خطاب البطولة خدمة قضيتنا _مع اختلاف جمهور كل منهما_ عبر عقود الصراع، فقد وُجِه كل منهما لجمهور مختلف، فليس من المنطقي توجيه كلا الخطابين لنفس الجمهور بنفس الوقت، والا أصبح كليهما غير ذا جدوى، مع الأخذ بعين الاعتبار عامل الزمن "التوقيت". والان _وحسب وجهة نظري_ فإن ما يمكن لهذين الخطابين أو أحدهما تقديمه، يعد خدمة محدودة جداً، خاصة أمام الرأي العام العالمي وشعوبه، في وقت تغيرت فيه الادوات السياسية والإعلامية على وجه أكثر تحديدا، وتغيرت خصائص الجماهير واهتماماتها "هذا التغير بحاجة لنقاش طويل".
لماذا تراجع تأثير هذين الخطابين؟ بتحليل بسيط تستطيع فهم ما يلي:
اولا، خطاب الضحية، اعتقد ان خطاب الضحية لن يكون مجديا، بل هو غير مجدٍ ولن يلتفت لنا أحد، لأن الكوكب، أصبح يعج بل ربما يضج من كثرة الضحايا، ضحايا الحروب والكوارث، الذين يعاني معظمهم إنسانيا أكثر من معاناة الفلسطيني بكثير "مع اننا كأصحاب الحالة من الطبيعي أن نرى معاناتنا الأكبر والآثار إلحاحا، الا أن للعالم اعتبارات أخرى". وأمام العالم نحن مشكلة مزمنة، بحاجة لحل، لكن لا أحد منهم يملك الحل، أو يحمل مسؤولية هذا الحل، لذا فإن اكبر ما يقدمونه، هو كثير من وعود الكلام، وبعض المعونات الإغاثية، وحتى هذه تتراجع مع ازدياد الشعوب التي تعاني، ومع أزمات اقتصادية حاليه، تضرب الشعوب والدول التي كانت تقدم لنا هذه المعونات والوعود، وحالة أوروبا ما بعد كورونا، والعمليات العسكرية الروسية في اوكرانيا، مثال حي على انشغال العالم عنا بمشاكله وازماته الخاصة.
ثانيا، خطاب البطولة، والقدرات الذاتية الكبيرة، وهذا اذا تم تقديمه للعالم، في هذه المرحلة بالذات، سيعود الينا بصيغة عكسية تقول: إذا كنتم ابطالا، ولديكم كل هذه الإمكانيات، فبماذا تحتاجوننا؟. صحيح أن هذا الخطاب ذو مردود جيد داخليا، حيث يقوي الروح المعنوية، ويرفع درجات الثقة بالنفس، خاصة أنه مقترنٌ دائما بكوننا أصحاب الحق، والحق قوة، ولكن مع انتشار منصات التواصل الاجتماعي، فقد تلاشت الحدود بين الجمهور الداخلي، والجمهور الخارجي "العالمي"، ومع تركيزنا على صيغ خطابية ذاتية نخاطب بها انفسنا، مع تلاشي الحدود، نحن بحاجة ربما لإعادة النظر في كل خطابنا، و/أو أدوات إيصال هذا الخطاب إلى جمهوره المقصود، بالمعنى المقصود وان لا يرتد علينا سلباً، وربما تذكرون تصريحات أحد قادة الفصائل حين قال إننا مستعدون لبيع الصواريخ للدول الأخرى!!
إن تعديل الصيغ وصناعة المحتوى الملائم، واستخدام الأدوات المناسبة بالتوقيت اللازم، أمور لن يحسمها مقال رأي صغير، بل تحتاج مداولات مختصين، وتبنيها من قبل أصحاب قرار رسمي وفصايلي.
نأتي إلى شكل الخطاب الذي نحتاجه الآن، وايضا هذا من وجهة نظر الكاتب، فما نحن بحاجة إلى تقديمه وإعلائه وإتقان صياغته، هو شكل خطاب إنساني، يقدمنا للعالم ليس على صيغة ارقام كما أصبح الحال منذ فترة ليست بالوجيزة، خطاب يؤنسننا أمام العالم وفي العالم، لا ينوح بنا ولا "يعرط"، بل يقدمنا كجزء من النسيج البشري لهذا الكوكب يحق لنا ما يحق لبقية مكوناته. وايضا علينا إعادة النظر في الألفاظ والمصطلحات والتوصيات التي نقدمها للعالم عنا، أو على الأقل بعض الأوصاف والمصطلحات _وبعضها كنت تطرقت إليه في كتابات سابقة_ التي نحاول من خلالها شرح قضيتنا للعالم، كما الابتعاد عن نشر "المسلمات"، وأقصد بها ألفاظا وكلمات تحمل لنا معانٍ مهمه، لكن معظم العالم لن يفهمها كما نريد، لا ضير أن شرحناها بشكل مقتضب بين الفينة والاخرى، أو في الحواشي، خاصة حين ننشر بلغات أجنبية، فمثلا، ليس كل العالم يفهم كلمة "مستوطنين" بالمعنى الذي نفهمه، ولا كل العالم يفهم قدسية مكان ما، أو شهرٍ ما، كما نفهمها نحن، لنذكرهم أو نفهمهم إياها "حبة حبة"، وان لا نمل من الشرح.
دولة الاحتلال، أطلقت برنامجا "خطة عمل" يسمى "هسبراه"، وهو برنامج خاص للدبلوماسية الرقمية، عبر منصات التواصل الاجتماعي المختلفة، يبث بكل لغات العالم الرئيسية ومنها اللغة العربية، تختلط فيه الدبلوماسية الرسمية بالشعبية، السياسية بالثقافية، ويجند فيه الخطاب الديني والعلماني، كل ذلك بهدف ال "هسبراة"، شرح "إسرائيل" للعالم، وتمرير الرواية الصهيونية لتصبح أمرا واقعا في وعي كل فرد من سكان الكوكب يستطيعون الوصول اليه، ولك أن تتخيل من زاوية أخرى، أن الشعب الذي ليس شعبا، بل هو خليط هجين من كل الشعوب، أصبح ومنذ زمن، يقدم للعالم رواية موحدة، ولا تجد من بينه من يناقضها أو يعارضها "إلا قلة تكاد لا ترى، بينما نحن الشعب الواحد أصلا، لا نستطيع أن نقدم للعالم خطابا موحدا، بل تجدنا يأكل بعضنا بعضا بكل اللغات، وفي نفس الوقت، نطالب العالم أن يقف معنا لنحصّل حقوقنا، لا أدري كيف ممكن موازنة هذه المفارقات، فهل تدري؟
عمل كثير نحتاجه، لترميم ما تلف لدينا من صيغ وأساليب وادوات، والزمن ليس لاعبا صديقا، بل هو خصم لدود، لم ولن يكون في صالحنا، الا اذا سابقناه وسبقناه.
*عبدالله زماري، باحث في الإعلام الرقمي وتحليل الخطاب
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق