الجمعة، 17 يوليو 2020

إيده خفيفة


                                                    ..إيده خفيفة..
إن تمرير الرسائل الإعلامية، خاصة تلك التي تستهدف تغيير أو إعادة تشكيل الوعي الجماعي، أمرا يتخذ أشكالا متعددة تتفاوت في مدى صراحتها وقسوتها، فما بين عقيدة الصدمة مرورا بالبروباجندا، والدراما، وصولا إلى النكته والسخرية.. انتهجت القوى المسيطرة سواء كانت دول ام أحزاب ام منظمات (ظاهرة أو خفية) بعض هذه الأساليب، حسب الحاله وحسب الجمهور المستهدف.. 
حسنا، دون الخوض في تفاصيل كل منها، وطرح الأمثلة التي قد تعرفونها اكثر مني، نعطي مثالا واحدا على الدراما وتأثيرها في تغيير الوعي، افلام الغرب الامريكي أو التي ت عودنا تسميتها بأفلام "الكابوي" خاصة تلك التي تناولت "الهنود الحمر" .. لقد جعلتك تلك الأفلام تتعاطف غالبا مع المستعمر، ضد السكان الاصليين، الذين تمت ابادتهم وتحويلهم أسرى بضعة محميات، ثم تم تذويبهم بالمجتمع (الغازي) إلا قلة قليله لا زالت تذكر حضارتها، كتراث وازياء وبعض الرقصات والأهازيج.. تخيل انككفلسطيني، واقع تحت نفس ظروف "الهنود الحمر" _هو بالمناسبة اسم استعماري اقنعونا به ايضا_  جري ابادتك بوتيرة بطيئة وهادئة، وتحويلك لتعيش في محميات مغلقة، ومع ذلك تجد نفسك متعاطفا مع المستعمر الابيض ضد الهنود الحمر، وتكره وحشية هؤلاء الهمجيين، الذين يدافعون عن أنفسهم ووطنهم كما نفعل نحن الآن (أو كما فعلنا يوما).. انظر جيدا هنا.. اقنعونا نحن اصحاب القضية الشبيهة الى حد كبير بقضية الهنود الحمر، فما بالك بغيرنا من الشعوب ذات الظروف الأقل قسوة وأكثر حرية! ماذا سيكون رأيهم بالهنود الحمر، القدماء والجدد؟
وسيلة أخرى لتشكيل أو إعادة تشكيل الرأي العام، هي الأكثر نعومة وخفة، انها الفكاهة والسخرية والنكته إن شئت حتى كوميديا الحزن والغضب، وهذه قابلة للانتشار في كل المجتمعات، حتى تلك الأشد فقرا ومعاناة، ومن ميزات النكتة انها لا تخضع لقانون، حيث يستطيع رواتها "استهداف" كل اللاعبين بالمشهد حتى استهداف الجمهور نفسه لا يعد أمرا محظورا أو منتقداً، فأنت في كل الحالات، تضحك.. 
تعودنا أن نسمع أن الدكتور أو الممرض الفلاني ( إيده خفيفة) عندما "يدق إبرة" ، وكانت هذه السمعه تجعل المريض يرغب "بإبرة" من صاحب اليد الخفيفة، حتى لو شعر بالألم، لان هناك مقارنة ذهنية صامته يجريها " اذا الايد الخفيفة وجّعت هيك، كيف لو ايد ثقيله" حسنا، النكته السياسية والنكته الاقتصادية وكذا النكتة الاجتماعية، هي "الإيد الخفيفة" والخفية ايضا، في سياسات تشكيل وإعادة تشكيل وعي الشعوب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق