الأحد، 26 يوليو 2020

يا عزيزي كلنا لصوص

يا عزيزي كلّنا لصوص..
عندما شاهدت هذا الفيلم المصري قبل سنوات عديده وبالرغم من انني نسيت ابطاله واحداثه ومحتواه الا انني احتفظت بامرين فقط منه، اسمه اولاً، ثم الانطباع الذي خلفه سماعي لاسم الفيلم، حيث تولد وقتها لدي انطباع ان الفيلم عبارة عن سخرية اجتماعيه ناقدة، تصف واقعا سيئا او ربما تستشرف واقعاً سيئا في قادم السنوات والعقود.
حسناً، منذ ايام طفا اسم الفيلم على سطح ذاكرتي، وكنت اردده في عقلي مرات ومرات، وربما الكتابه الان هي محاوله لاعادته للجارور المعتم في زوايا الذاكرة الخلفية..
اقول نعم، كلنا لصوص، ومن منا لا يسرق، من منّا ليس لصّاً؟ ونعم عزيزي مرّة اخرى انا هنا اعمم صفة اللصوصية، دون تعميم طبيعة المسروق، فبعضنا يسرق قوت الجياع، وبعضنا عمرهم، وبعضنا يسرق قبلة من شفة حبيبة احنت راسها خجلا مستمتعة بالسرقة، والبعض يجتهد لسرقة الوقت، والعديد يشعرون انهم يسرقون عمرهم من فم الدنيا سرقة، فالدنيا غول كبير يطحن حيواتنا دون كلل، والبعض يسرقون رغيف عيشهم ممن سرقوه اصلا قبل ان يولدوا، والبعض يسرق شبكة الواي فاي من جاره، هو يستطيع شراء النت، لكنه يستمتع بهذه السرقة فالنت فيها ألذ، واللي ببلاش كثّر منّه.. هناك عزيزي من يسرق الفرح ليفرح، يسرقه ليس من احد ما ، ولكن يفرح رغم ما به من الم وغمّ لا لشيء بل كي لا يغتمّ اطفاله لنكده، وبعضهم عزيزي يسرق الفرح مني ومنك ليس ليفرح بل لاجل حرماننا من الفرح.. وعن لصوص الوقت حدّث ولا حرج، وانا اجزم ان الوقت هو السلعة الاثمن في الدنيا لذلك نجد ان لصوص الوقت هم الاكثر انتشارا، لانك تعلم مثلي تماما ان الوقت سلعة ثمينه، بالرغم انها لدى البعض بخسة ولا تساوي شيئاّ، الا انها لدى اخرين نفيسة جدا بل هي الاثمن على الاطلاق، ولك ان تتخيل قيمة تسعين ثانية مثلا في حياة عدد من الاشخاص يحيون ظروفا وانماطا حياتية مختلفه..
هناك لص يسرق ليستنفع مما يسرق، وهناك من يسرق لنشر الابتسامة في ثغرك وثغري، ولست اقصد سرقة المال ، وعن المال وسرقته، فهناك من يسرق مالي لمنفعته الشخصيه.. بينما هناك من يسرقني بإسم الله وايضاً لمنفعته الشخصية كذلك لكنه يقنعك جداً ان ما يسرقه هو للرب الذي تعبده ويرضيه، فترضى انت برضى الرب، هنا انت لا تستطيع فضح امر اللص حتى لو اقتنعت انه لص كبير، لإنك ان فعلت فسيتم التشكيك بايمانك، وسينبري مسروقون اخرون يدافعون عن ولي الله، بطرائق تشعرك أنهم يدافعون عن الله نفسه، لكن هؤلاء المسروقون يدافعون عن امالهم وايمانهم وجنّتهم التي وُعدوا بها من قبل ممثلي الربّ في دنيا الفناء.
عن اللصوصية واللصوص ايضا، منذ غابر الازمنه كان الحرامي (لص المال) شخصية تحافظ على بروفايل نمطي في اذهان العامة، وكان مهابا برغم احتقار الناس لمهنته ويحاول ان يظل خفيا غير معروف الشخصية او الملامح بالتقنّع واللثام، وكان الناس يستجيرون بعضهم ببعض ضد الحرامية، اما الان فالناس يستجيرون بالحرامية ضد بعضهم البعض، حيث اصبح اللص في حاضر الازمان شخصية عامة، لا يختفي ولا يتخفّى بقناع، لكنه ربما كان بمئة وجه..
بعض اللصوص في أزمنة خلت كانوا نبلاء النفس فكان احدهم يسرق الثريّ ليطعم الجياع، واذا قلنا ان شخصية روبن هود، شخصية خيالية مسرحية، فعروة بن الورد وفاتك الاسدي والشنفري، وبقية الصعاليك ليسوا كذلك، حيث سرقوا اثرياء الصحراء ليطعموا جياعها، وافتخروا بما فعلوا نثرا وشعراً، أما اليوم فان اللصوص يسرقون الجياع ليزداد ثراء الاثرياء، بل انني اتخيّل الان انهم يستردون ما سرقه منهم روبن هود والشنفري وابن الورد، منذ عصور، وبدل ان ينظم لصوص اليوم قصائد الفخر بافعالهم، نجد المنافقين ينظمون قصائد المديح والتمجيد.
 ربما لم تختلف لصوصية الامس عن اليوم سوى باتجاه الفعل والقبول الاجتماعي للّصوص، فصعاليك الامس نبذتهم مجتمعاتهم واحبّهم الفقراء، وعتاة لصوص اليوم اصبحوا شخصيات عامة يقودون مجتمعاتهم وينالون التصفيق والتصويت..
للص المجرم في الزمن الغابر ركب فرساً وامتشق السيّف المهنّد، ووضع اللثام ليخفى شكله عن الناس وكانت عدته ربما بعض ادوات الكسر والخلع، بينما لص هذا الزمن لم يختلف امره سوى في بعض التفاصيل الصغيرة، فالفرس اصبحت سيارة فارهة، والسيف صار بندقية او ربما ميكروفون، والادوات اختلفت اشكالها فصارت لحية وجبّة لمن يسرق باسم الرب، وبذلة وربطة عنق والقاباً لمن يسرق باسم الوطن، او بضع خطابات ثورية ورائحة مميزة لمن يسرق الجياع باسم الجياع.. نعم لم يختلف الامر كثيرا، بالامس كنت مسروقاً، واليوم انت مسروق اكثر، لكنّك تهتف ربما بطول حياة اللص، او تفرح بما يسرقونه منك.
بالامس كان اللص يختار المسروق حسب ثروته وظروف محيطه، اليوم يختار المسروق لصّاً على مقاسه..
لنترك اللصوص المجرمون جانبا،ونلتهي قليلا بانفسنا، فنحن ايضا لصوص، فمن منّا لم يسرق وقتاً من وقته لاجل حبيب/ة او زوج/ة أو اطفال، ومن منّا لم يزرع ابتسامة مسروقة على وجهه المنهك كي لا يظن عدوّه انه انكسر، ومن منا لا يسرق كلمة لطيفة ينثرها امام موظف نكد ليسهّل نزول الختم على الملف، او يسرق دعوتين بطول البقاء لتنبسط شفتا مسؤول قزم عن ابتسامة تخفي خلفها معرفته انك تدعو له بلسانك، بينما بقلبك تدعي عليه، فقط ليجيز لك ما هو حقّك من البداية..
انت يا سيدتي، وانت يا سيدي، مثلي بل ربما كلنا متشابهون، نتطوّع اليوم كي تتم سرقة وعينا ووقتنا وماضينا ومستقبلنا وتتم سرقة عقولنا وثقافتنا ومقابل هذه السرقة ندفع نحن الضحايا النقود ثمنا لجهود اللص وقد نصفّق له ونهتف.
حسناً، لا اعرف ان كنت استطعت التعبير عن الفكرة ولكني على الاقل خففت احتقانا عن سطح الذاكرة، وربّما اخيرا اقول ، لا اعلم اصلاً إن كان الفيلم كوميدياً من الاساس،لكنني حين انظر للمشهد الحالي من فيلم حياتنا اجده كوميدياً ومثيراً للضحك بشراسة، نعم هو كذلك.. صحيحٌ اننا قد لا نضحك انا وانت عليه، لكن ثق تماما ان هناك من يقهقه ملء رئتيه وجيوبه علينا، انا وانت، وواهم انت ان ظننت انك خارج المشهد ف ياعزيزي، كلنا لصوص، وكلّهم لصوص.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق