اليمين الاستيطاني: بين استمرار السيطرة وضعف الموقف الفلسطيني
الكاتب عبدالله زماري
يبدو ان العبارة الافتتاحية اعلاه باتت واقعا اسودا يخيم على فلسطين المحتلة والاقليم وربما العالم، ولكن الاثر الاكبر والاكثر مباشرةً هو الاثر الواقع علينا كفلسطينيين.
تشير استطلاعات الراي المجراة مؤخرا في دولة الاحتلال الى استمرار سيطرة اليمين الصهيوني المتحالف مع المستوطنين (اليمين الاستيطاني) على الاقل في الانتخابات القادمة متى ما أجريت، وحصول هذا التحالف على ما لا يقل عن 64 مقعد في الكنيست القادمة وهو ما يعني تحالفا حاكما مستقراً، قادرا على اتخاذ الاجراءات وسن القوانين المشرّعة لها دون اية اعاقات برلمانية وحتى قضائية داخل دوائر دولة الاحتلال المختلفة. حيث ستستمر زعامة الليكود للتحالف بما لا يقل عن 30 مقعدا بالكنيست القادمة.
تكررت هذه النتائج في اكثر من استطلاع للراي اجريت في اوساط المواطنين بدولة الاحتلال، والتي وان كانت توصف بانها استطلاعات تهدف لقياس تاثير دخول شخصيات معينة للمشهد السياسي وتاثير ذلك على التركيبة السياسية في برلمان الاحتلال، الا انها تعطي صورة واضحة عن التركيبة التي تسود مجتمع دولة الاحتلال (ببرامجه السياسية والاجتماعية على حد سواء).
اخر الاسماء والذي كان (بطل) استطلاع الراي الاخير هو رئيس الاركان السابق (بيني غانتس) شخصية عسكرية وصلت لاعلى سلم الترقيات والمناصب العسكرية. طرح بسيناريو تزعمه للمعسكر الصهيوني ( العمل وحلفاؤه). الا ان هذه الزعامة لم تسفر _حسب الاستطلاع_ عن تغيير في مفاصل المشهد السياسي، على الاقل لم تؤثر على نسبة اليمين الاستيطاني في الكنيست والتي حافظت على نسبة 64 مقعد بالكنيست على الاقل، حيث من المرجح زيادتها بسبب اقتطاع مقاعد من الاحزاب الاخرى لصالح تحالف اليمين الاستيطاني.
المشهد البرلماني:
في الكنيست الحالية يتحصل اليمين الاستيطاني على ما مجموعه (61) عضو كنيست تشكل الائتلاف الحكومي، وبالرغم من ان الائتلاف حاصل على اغلبية (نصف +1) فقط الا انه تحالف مستقر، حيث القوانين التي تطرح للتصويت يتم اقرارها بالقراءات الثلاث ( خاصة القوانين المتعلقة بالاستيطان ومشتقاته) حيث تمر هذه القوانين بدون اية اعاقة برلمانية، الا ان حكومة الاحتلال (وخاصة اللجنة الحكومية للتشريع) تتدخل احيانا لمنع طرح بعض القوانين للتصويت او تأجيلها لظروف مختلفة، مثلما حدث مع "قانون كيش" حول ضم الضفة والتي اعاقه نتنياهو بالرغم من تصويت مركز حزب الليكود عليه بالاجماع في اليوم الاخير من عام 2017.
وقوف الائتلاف الحكومي على حافة الاغلبية لا يعني ان الجبهة الاخرى موحدة او قادرة على احداث تغيير، فمما نراه فان لا تأثير للاحزاب بالمعسكر المضاد (ان جازت التسمية) على عملية سن القوانين خاصة ما يتعلق بالجوانب الاجتماعية والسياسية، الا ما التقت فيه مصالح كل من اليمين واليسار الصهيونيين، بل اننا لا نسمع اصواتاً يسارية، تعارض ما تقوم به حكومة الاستيطان من قوانين واجراءات تستهدف الارض والمواطنين الفلسطينيين، الا بعض أصوات متباعدة تصدر هنا وهناك، ومعظمها يعترض لان هذه الاجراءات تمس الصورة الديمقراطية "لإسرائيل" وموقفها في القانون الدولي. بينما نجد اسنادا يكاد يكون مطلقا من الادارات الامريكية المتعاقبة واكثرها ادارة الرئيس ترامب لهذه الحكومة الاستيطانية بل ان هناك تاييد وموافقة تامة لكل ما تقوم به دولة الاحتلال من تشريعات واجراءات على الارض، مدعومة بمبادرة (صفقة) امريكية، مما تسرب منها يتضح اهمالها المتعمد والومقصود لاية حقوق ومطالب فلسطينية تتعار مع الرغبات والاطماع"الاسرائيلية". يعزز مواقف هذه الحكومة، التقارب الحاصل بينها وبين بعض الدول العربية المؤثرة، وهو تقارب بات معلنا بل ويجري الترويج له في اوساط واسعه.
المعسكر الصهيوني المكوّن من حزبي (العمل بزعمة اسحاق هيرتصوغ،والحركة بزعامة تسيبي ليفني) حصل على 24 مقعد في الانتخابات السابقة، الا ان زعامته غير مستقرة، ويفتقر لشخصية كاريزماتية او شعبوية تنهض به من الانحدار الذي وصل اليه (خاصة حزب العمل) الذي فقد اي فرصة منافسة على تشكيل الحكومة بالمدى المنظور، حتى مع تحالفه مع تسيبي ليفني فان هذه الفرص لم تزدد شيئاً عما كانت عليه منذ 1996 حين انحدرت قوة حزب العمل بشكل كبير لم يستطع النهوض منها.
في استطلاع الراي الاخير والذي افترض تزعم الجنرال بيني غانتس، للمعسكر الصهيوني، لم تتغير تقسيمة الكنيست، حيث سيتم توزيع الاصوات التي تدعم ائتلاف اليمين الاستيطاني ومع دخول حزب جديد بزعامة المنشقة عن البيت اليهودي " اورلي ليفي ابكسيس" والذي حسب استطلاعات الراي سيحصل على (4-5) مقاعد بالكنيست القادمة، بقيت حصة هذا التحالف ما لا يقل عن 64 مقعد بالكنيست، غير متاثرة بالاسم المدرج كزعيم المعسكر المضاد للإئتلاف الحكومي.
سبب ثبات قوة الائتلاف او على الاقل ثبات قوة النواة الصلبة للاحزاب اليمينية/الدينية/الاستيطانية، هو في الواقع غياب برامج سياسية ثابته جاذبة للجمهور الاسرائيلي الباحث جزء كبير منه عن بديل مقنع لاحزاب مثل الليكود واسرائيل بيتنا والبيت اليهودي، ودليل ذلك تلقُّف جمهور الناخبين للاحزاب الجديدة لعلها تجد فيها البديل عمّا هو موجود، ولكن انقلاب معظم هذه الاحزاب على برامجها المعلنة وتساوقها مع مواقف اليمين المتطرفة يبعد الناخبين عنها في الانتخابات اللاحقة، وهو ما يفسر كذلك الانخفاض الكبير في نسبة التصويت في منطقة وسط "البلاد" والتي تعد معقل اليسار الصهيوني التقليدي.
ماذا يعني ذلك:
ذلك يعني ان العالم، والفلسطينيين بشكل خاص، ملزمون بالتعامل مع نفس نهج الحكومة الاستيطانية الحالية ( مع احتمال تبدل بعض الاسماء وليس المواقف) حيث ستزداد الاجراءات الحكومية نحو ضم مزيد من الاراضي وسن مزيد من القوانين التي تشرعن الاستيطان ومشتقاته، بل وربما _وهذا توقعي وعدد اخر من الباحثين_ سيتم العمل على "تهجير" اعداد كبيرة من الفلسطينيين، خاصة من الضفة الغربية، اما بالاجبار والاكراه، او بالتهجير الناعم من خلال الاغراءات بالخارج والتي يصاحبها تضييق داخلي. ستنقسم هذه الهجرة بين:
هجرة داخلية من مناطق C وهي المناطق (المراد تفريغها للاستيطان والضم) الى المدن ومناطق A وهي عملية ابتدأت منذ سنوات ومستمرة الى مدى غير منظور ( ولكن هذا بحث مستقل بحد ذاته)
هجرة للخارج، حيث ستكون الاغراءات المادية والانسانية سببا هاما لتشجيع الشباب خاصة، على الهجرة ويرافق هذه الاغراءات مزيد من التضييق في الاراضي المحتلة.
لا بد لنا كَكُلٍّ فلسطيني، من الاستعداد للمرحلة القادمة بما يتوفر لنا من خيارات، لا بل لا بد من ابتكار اساليب وخيارات جديدة، توقف اولا التدهور الشديد والذي يُجَلّلُ كافة مفاصل وأصعدة الحالة الفلسطينية، وربما كان اول هذه الخيارات هو تغيير في لغة الخطاب الداخلي "الفلسطيني-الفلسطيني" وخطوات ثابتة نحو الوحدة الوطنية لتوحيد القرار الفلسطيني، وتمتين جبهتنا الداخلية قبل فوات الاوان مما يعني جبهات فلسطينية متفرقة غير قادرة لا على الفعل ولا على حساب رد الفعل، بل لا يُحسَبُ لها ايّ حساب. كما لا بد لنا من اعادة صياغة العلاقة مع اطراف عالمية واقليمية عديدة، لتجاوز الضغط الامريكي وتحمّل تبعات ذلك، للخروج بأقل الخسائر على الاقل من مرحلة يغلب عليها الضبابية الصراعية والمستقبل غير متّضح المعالم.
عبدالله زماري
باحث في شؤون التنمية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق