ترنيمة في الوعي..4 سلطة القانون وامتثال المواطن..
عبد الله زماري
باحث في شؤون التنمية
ما هو الأمن الذي نريد، سؤال تم طرحه في مؤتمر تحت عنوان "حوكمة قطاع الأمن في فلسطين" عقد في رام الله مؤخرا، وكنت أحد المدعويين إليه، وهذا السؤال لم يأت مجرداً أو من العدم بل نتاج مداخلات وأوراق عمل هدفها أن نصل إلى قطاع أمني يراعي كافة المعايير والمعاهدات الدولية، بمستوى عالي الجودة خاضع لمعايير الحوكمة كذلك، وهذا بالتأكيد أمر جميل جداً، يجب ان يكون هدفاً للمؤسسة الأمنية، قبل ان يكون هدفاً للمؤسسات المدنية والحقوقية، ومن أجل ذلك لا بد أن تكون هناك قوانين تحكم العلاقة ما بين "الدولة" و"المواطن". تحدد القوانين في الدول طبيعة العلاقة ما بين المواطن والدولة، علاقة يعرف كل طرف فيها، واجباته وحقوقه، وكل ما له وما عليه، وهنا ربما نعيد التذكير بالسؤال " ما هو الامن الذي نريد؟" لنطرح سؤالا مقابلاً له، وهو، من هو المواطن الذي نريد؟ نعم لا بد من سؤال كهذا عند الحديث عن احد اطراف المنظومة وهو القانون وما يمثّل، فالمواطن هو الطرف الآخر وما القانون الا شريعة ناظمة للعلاقة بينه وبين "السلطة" الحاكمة.
سندخل مباشرة بالفكرة هنا وهي، ثقافة الامتثال للقانون، وهي فعلاً ثقافة، لانها أمرقابل للتعلم، والتلاشي، وهي لا بد ان تكون عامّة. هل لدى المواطن الفلسطيني بالمجمل ثقافة الإمتثال للقانون، ونقصد هنا الامتثال الطوعي للقانون، أو لاحقا الامتثال لأحكامه عندما يتجاوزه، ويصبح لزاماً عليه تحمل تبعات هذا التجاوز. هل هناك ثقة لدى المواطن الفلسطيني بالتوجه بالشكوى لممثلي القانون، وهل الفكرة السائدة في وعينا _ الفردي والجمعي_ فكرة تدعم الإمتثال للقانون، أم تشجع بشكل واعٍ أو غير واعٍ، مبدأ الصدام مع القانون.
لنجب مبكراً عن السؤال، فالمواطن الذي نريد _ وتريده اي دولة_ هو مواطن يلتزم بالقانون فلا يخالفه، وإن خالفه واقتضى الأمر إجراءات جزائية، يكون امتثاله لهذه الإجراءات أمرا تلقائياٌ، دون تهرب أو تحايل أو صدام مع ممثلي القانون، ولكن الواقع بعيدٌ كلّ البعد عن ذلك..
لنحاول معاً فكَّ بعض مدخلات الواقع.
هناك مؤسسات عديدة ناشطة في مجال دراسة القوانين وصون الحقوق والحريات، إضافة لمهتمين وأكاديميين ينشطون بشكل فردي عبر مواقعهم الوظيفية أو عبر وسائل الإعلام والتواصل الإجتماعي، هؤلاء _مؤسسات وافراد_ يعملون على نقد القوانين ومحتواها من الناحية التشريعية، ثم نقد ومتابعة إجراءات تنفيذها ومنفذيها، وينشرون على نطاق واسع كل ما له علاقة بأي تجاوز، أو ثغرة، أو خلل وقصور في قانون ما، سواء من حيث مبناه أو من حيث تنفيذه وملائمته.
هناك أيضا ممارسات غير سليمة يقوم بها بعض أفراد المؤسسة الأمنية ومع أن لا دليل على انها سياسة عامه تحكم عمل مؤسسات تطبيق القانون، إلا أنها تَرْسَخُ في وعي المواطنين بصورة تكاد لا تُمحىْ، أضف لذك بطء إجراءات القضاء وتأخر البت في قضايا كثيرة، مع عامل اخر مؤثر هنا وهو ما يعرف بالقضاء العشائري والذي يأخذ مكانة مرموقة ومتزايدة في المجتمع الفلسطيني نظرا لسرعة البتِّ في القضايا، وكذلك عقوباته الرادعة، وإن كان اللجوء اليه يتركز في قضايا الشرف والدّم غالبا، ولكن يتم التقاضي به في قضايا اخرى احيانا.
هناك انتشار كبير للتعديات (التجاوزات) على القانون سواء من قبل أفراد او برعاية جهات منظمة او مرجعية، والتجاوزات تتراوح بين البسيطة مثل ربما ركن السيارة بمكان مخصص لذوي الاحتياجات الخاصة، وتصل الى حد القتل والسطو بالاكراه والإتجار بالمخدرات..الخ
لسنا هنا في ميدان تسجيل النقاط ضد أو مع طرف من الأطراف، ولكن في مجال تشخيص الواقع فاننا نسأل ما الذي يجري:
"السلطة الحاكمة" كجزء من المنظومة الدولية، ليس امامها الا الالتزام بالمعاهدات والمواثيق والقوانين الدولية، خاصة التي انضمت لها خاصة ما يتعلق منها بجوانب قوانين الحقوق والحريات، ثم هناك سنّْ القوانين المحلية، التي تقوم تنظّم العلاقة بين طرفيها (المواطن والسلطة) بما يضمن مصالح وحقوق الطرفين، وبما لا يخالف أو يعارض المواثيق والمعاهدات الدولية.
كما هناك التدخلات الكبيرة والكثيرة في الواقع الفلسطيني، سواء الداخلية او الخارجية، ، اضف اليها ظواهر اجتماعية سلبية، كالجهوية والفئوية والمناطقية والعشائرية، والتي تشتد وتخبو هنا وهناك او عند وجود " فزعة" تستدعيها ظروف آنية كانتخابات او "طوش" وشجارات عائلية..إلخ.
لماذا وكيف؟
لماذا/ كيف تكونت هذه الصورة الذهنية "الثقافة" اتجاه القانون كقيمة ومنظومة، وهو محور هذا المقال، بالرغم من اننا لن نطيل في شرح مسهب للاسباب والمعززات..
الصورة الذهنية الموجودة لدى قطاعات أكاد أجزم انها كبيرة من الشعب الفلسطيني حول القانون الفلسطيني بكافة مكوناته، والامتثال الطوعي لهذه القوانين تذهب باتجاه عدم الامتثال لأحكام القانون بل وعدم الالتزام بتطبيق معظم القوانين المقرة في السلطة الفلسطينية، والتجاوزات الواسعة وبالجملة لهذه القوانين، دليل على ذلك.
ساهمت عدة عوامل في تكوين هذه الصورة (الثقافة)، فأولا أن الموروث في أذهان الناس حول القانون وجهات تطبيقه يرتبط بفترة الإحتلال حيث كان الخروج عن قانون المحتل ومخالفة أوامرة وتشريعاته يعد أمراً محموداً، وطنياً ونضالياً، يلاقي إستحسان الناس والتنظيمات الفلسطينية كافة. هذا الفعل أُزيحَ ذهنيّاً بطريقة لا واعية ليُوَجَّهْ ضد القانون في ظل السلطة الفلسطينية، لانه لم يتم العمل على هذه الصورة الذهنية من قبل مؤسسات متخصصة، ثم نأتي لسوء تصرف بعض أفراد المؤسسة الأمنية الفلسطينية، وبالرغم من عدم كون هذه التصرفات سياسة عامة لهذه المؤسسة، إلا أن تعميمات ذهنية لا واعية كذلك رسخت في أذهان الناس مرتبطة بالموروث حول قوانين الإحتلال ورجال أمنه. يؤثر ما يثار عبر وسائل الاعلام ومؤسسات المجتمع المدني حول الفساد وسوء استخدام الصلاحيات بين الموظفين العموميين بصوة سلبية على احترام المواطنين للقانون الذي تمثله المؤسسات الرسمية وموظفيها.
استمرت كثير من المؤسسات الأهلية وغير الحكومية في عملية نقد القوانين، منذ مرحلة التشاور حتى الإقرار وصولاً إلى عملية تنفيذ هذه القوانين ومنفّذيها، والتي ركزت غالباً على إبراز سلبيات هذه القوانين وثغراتها وكذلك اخطاء منفذيها، ونادراً ما كانت تشير الى إيجابيات القوانين أو حتى أهمية القانون "كقيمة" في حياتنا جميعاً. ثم مباشرة نأتي الى "الجيوب السوداء" إن جاز التعبير والتي تنامت فيها تجاوزات القانون بشكل لافت جداً بسبب وقوعها خارج نطاق السيادة الفلسطينية بسبب التقسيمات التي أفرزتها إتفاقية أوسلو (مناطق ج) أو مناطق لاعتبارات خاصة أو مناطق في محيط مدينة القدس حيث تعتبرها حكومة الاحتلال إمتدادا لنفوذ بلديته في القدس حيث تستطيع أن تعدّد آلاف المخالفات أسبوعياً ابتداءاً من فوضى السير بالشوارع، إلى فوضى البناء غير المرخص بل وربما غير مطابق لمعايير السلامة، مرورا بجرائم تتعلق بالمخدرات، الأسلحة، التهرب الضريبي، بضائع المستوطنات او غير المطابقة للمواصفات والقائمة تطول، وليس كثرة الجرائم والتجاوزات هو الملفت فقط في هذه الجيوب السوداء ولكنها حالة العداء الجماعي للقانون وممثليه، بحيث أصبح الصدام مع القانون عرفاً سائداً وقيمة محمودة في أوساط ثقافات فرعية يعززها انتشار السلاح والعشائرية وبطالة الشباب وهو عامل لا يمكن إغفاله هنا، إضافة لعوامل اخرى.. لدرجة وصلت للصدام والاشتباك مع افراد المؤسسة الامنية عند قدومهم لتطبيق القانون وضبط المخالفات والتعديات على القانون بل واعتبار ان (المخالفة بحد ذاتها) حق لهم، وان القانون هو الحالة الدخيلة..
كما اصبح الاحتكام الى الوجهاء العشائريين والقضاء العشائري شيئا منتشرا اكثر من الاحتكام الى القانون الرسمي، خاصة في قضايا الدم او الحوادث التي تؤدي لوفاة او قضايا الاعتداء والطوش العائلية، وهذا إن دل على ضعف ثقة المواطن بالقضاء الرسمي أو على الاقل ضعف ثقته بإجراءاته، إلا أن استمرار طول وقت القضايا في المحاكم وعدم تنفيذ كثير من الاحكام لاسباب عديدة ومعه لجوء السلطة الى التعاون مع القضاء العشائري لحل بعض المشاكل والقضايا الكبيرة التي لا بد من تدخل هيبة الدولة بها، هذا الامر وإن كان يساهم بحل "مشكلة" إلا انه يساهم ايضا في تقوية نفوذ العشائرية والعائلية مقابل احترام القانون الرسمي ومؤسسات الدولة وهذا أمر خطير على المدى المتوسط والبعيد وإن كنا بتنا نلمس خطورته الآن.
ما العمل..
لا يستطيع مقال قصير مثل هذا معالجة الظاهرة ومواطن الخلل كلها ولكن على الاقل نشير الى ضرورة ان تعمل الحكومة بدوائرها الرسمية والاعلامية على تغيير تدريجي بالصورة الذهنية المتكونه لدى شرائح كبيرة من المواطنين حول ( القانون، والسلطة) ولا نقصد هنا (مؤسسة السلطة الفلسطينية) هذا الجهد لا بد ان تتدخل فيه مؤسسات المجتمع الأهلي فهي إن كانت تعتبر نفسها مسؤولة عن نقد القوانين ومتابعة مؤاعاتها للحقوق والمعايير، الا أنها شريكة للسلطة في جودة تطبيق القوانين، وجزء من هذه الجودة، هو امتثال المواطنين للقوانين التي تدعو لها.
ان تغيير المفاهيم والثقافات والصور الذهنية المتراكمة، أمر ليس بالهيّن أبداً، لا من حيث الجهد المطلوب، ولا من حيث الزمن الذي تحتاجه هذه الظواهر والصور للتغيّر، ويحتاج اجراءات طويلة الامد ولكنها واضحة المراحل والمحتوى.
من هذه الإجراءات، مثلاً، تعزيز القضاء الفلسطيني بحيث لا تأخذ القضايا سنوات طوال للبت بها، العمل من خلال المناهج التعليمية لرفع مكانة القانون وأخلاقيات الإمتثال الطوعي للقانون بداية من عدم مخالفته وصولا لتنفيذ احكامه، وكذلك تحسين صورة رجل القانون في الذهنية الجماعية، أولا من خلال انهاء التجاوزات الفرديّة، لبعض رجال القانون، وتطبيق كامل لمدونات السلوك الخاصة بالمؤسسة الأمنية. وهناك ايضاً العمل على بسط سيادة القانون من خلال ملاحقة حثيثة للجرائم والتجاوزات بشكل متساوٍ في كل المناطق، وضبط التجاوزات الصغيرة لكنها خطيرة كذلك، ليس من خلال حملات أمنية موسمية أو كردات فعل على حادثة أدت لضرر، أو أثارت الإعلام، ولكن باعتبارها عملية مستمرة طبيعية تحكم عمل المؤسسة الامنية بشكل دائم.
هناك الكثير مما يمكن أو يجب عمله بهذا المجال، وقد يفتح هذا المقال الباب أمام الباحثين للتوسع في دراسة ثقافة الإمتثال للقانون من حيث أسباب ونتائج وأجراءات تعزيز، نحو مجتمع آمن، فيه إجابة مقبوله ومرضية حول السؤالين الأوّلين، ما هو الأمن الذي نريد، ثم من هو المواطن الذي نريد، لنصل سويّاً الى الوطن الذي نريد.
عبد الله زماري
باحث في شؤون التنمية
ما هو الأمن الذي نريد، سؤال تم طرحه في مؤتمر تحت عنوان "حوكمة قطاع الأمن في فلسطين" عقد في رام الله مؤخرا، وكنت أحد المدعويين إليه، وهذا السؤال لم يأت مجرداً أو من العدم بل نتاج مداخلات وأوراق عمل هدفها أن نصل إلى قطاع أمني يراعي كافة المعايير والمعاهدات الدولية، بمستوى عالي الجودة خاضع لمعايير الحوكمة كذلك، وهذا بالتأكيد أمر جميل جداً، يجب ان يكون هدفاً للمؤسسة الأمنية، قبل ان يكون هدفاً للمؤسسات المدنية والحقوقية، ومن أجل ذلك لا بد أن تكون هناك قوانين تحكم العلاقة ما بين "الدولة" و"المواطن". تحدد القوانين في الدول طبيعة العلاقة ما بين المواطن والدولة، علاقة يعرف كل طرف فيها، واجباته وحقوقه، وكل ما له وما عليه، وهنا ربما نعيد التذكير بالسؤال " ما هو الامن الذي نريد؟" لنطرح سؤالا مقابلاً له، وهو، من هو المواطن الذي نريد؟ نعم لا بد من سؤال كهذا عند الحديث عن احد اطراف المنظومة وهو القانون وما يمثّل، فالمواطن هو الطرف الآخر وما القانون الا شريعة ناظمة للعلاقة بينه وبين "السلطة" الحاكمة.
سندخل مباشرة بالفكرة هنا وهي، ثقافة الامتثال للقانون، وهي فعلاً ثقافة، لانها أمرقابل للتعلم، والتلاشي، وهي لا بد ان تكون عامّة. هل لدى المواطن الفلسطيني بالمجمل ثقافة الإمتثال للقانون، ونقصد هنا الامتثال الطوعي للقانون، أو لاحقا الامتثال لأحكامه عندما يتجاوزه، ويصبح لزاماً عليه تحمل تبعات هذا التجاوز. هل هناك ثقة لدى المواطن الفلسطيني بالتوجه بالشكوى لممثلي القانون، وهل الفكرة السائدة في وعينا _ الفردي والجمعي_ فكرة تدعم الإمتثال للقانون، أم تشجع بشكل واعٍ أو غير واعٍ، مبدأ الصدام مع القانون.
لنجب مبكراً عن السؤال، فالمواطن الذي نريد _ وتريده اي دولة_ هو مواطن يلتزم بالقانون فلا يخالفه، وإن خالفه واقتضى الأمر إجراءات جزائية، يكون امتثاله لهذه الإجراءات أمرا تلقائياٌ، دون تهرب أو تحايل أو صدام مع ممثلي القانون، ولكن الواقع بعيدٌ كلّ البعد عن ذلك..
لنحاول معاً فكَّ بعض مدخلات الواقع.
هناك مؤسسات عديدة ناشطة في مجال دراسة القوانين وصون الحقوق والحريات، إضافة لمهتمين وأكاديميين ينشطون بشكل فردي عبر مواقعهم الوظيفية أو عبر وسائل الإعلام والتواصل الإجتماعي، هؤلاء _مؤسسات وافراد_ يعملون على نقد القوانين ومحتواها من الناحية التشريعية، ثم نقد ومتابعة إجراءات تنفيذها ومنفذيها، وينشرون على نطاق واسع كل ما له علاقة بأي تجاوز، أو ثغرة، أو خلل وقصور في قانون ما، سواء من حيث مبناه أو من حيث تنفيذه وملائمته.
هناك أيضا ممارسات غير سليمة يقوم بها بعض أفراد المؤسسة الأمنية ومع أن لا دليل على انها سياسة عامه تحكم عمل مؤسسات تطبيق القانون، إلا أنها تَرْسَخُ في وعي المواطنين بصورة تكاد لا تُمحىْ، أضف لذك بطء إجراءات القضاء وتأخر البت في قضايا كثيرة، مع عامل اخر مؤثر هنا وهو ما يعرف بالقضاء العشائري والذي يأخذ مكانة مرموقة ومتزايدة في المجتمع الفلسطيني نظرا لسرعة البتِّ في القضايا، وكذلك عقوباته الرادعة، وإن كان اللجوء اليه يتركز في قضايا الشرف والدّم غالبا، ولكن يتم التقاضي به في قضايا اخرى احيانا.
هناك انتشار كبير للتعديات (التجاوزات) على القانون سواء من قبل أفراد او برعاية جهات منظمة او مرجعية، والتجاوزات تتراوح بين البسيطة مثل ربما ركن السيارة بمكان مخصص لذوي الاحتياجات الخاصة، وتصل الى حد القتل والسطو بالاكراه والإتجار بالمخدرات..الخ
لسنا هنا في ميدان تسجيل النقاط ضد أو مع طرف من الأطراف، ولكن في مجال تشخيص الواقع فاننا نسأل ما الذي يجري:
"السلطة الحاكمة" كجزء من المنظومة الدولية، ليس امامها الا الالتزام بالمعاهدات والمواثيق والقوانين الدولية، خاصة التي انضمت لها خاصة ما يتعلق منها بجوانب قوانين الحقوق والحريات، ثم هناك سنّْ القوانين المحلية، التي تقوم تنظّم العلاقة بين طرفيها (المواطن والسلطة) بما يضمن مصالح وحقوق الطرفين، وبما لا يخالف أو يعارض المواثيق والمعاهدات الدولية.
كما هناك التدخلات الكبيرة والكثيرة في الواقع الفلسطيني، سواء الداخلية او الخارجية، ، اضف اليها ظواهر اجتماعية سلبية، كالجهوية والفئوية والمناطقية والعشائرية، والتي تشتد وتخبو هنا وهناك او عند وجود " فزعة" تستدعيها ظروف آنية كانتخابات او "طوش" وشجارات عائلية..إلخ.
لماذا وكيف؟
لماذا/ كيف تكونت هذه الصورة الذهنية "الثقافة" اتجاه القانون كقيمة ومنظومة، وهو محور هذا المقال، بالرغم من اننا لن نطيل في شرح مسهب للاسباب والمعززات..
الصورة الذهنية الموجودة لدى قطاعات أكاد أجزم انها كبيرة من الشعب الفلسطيني حول القانون الفلسطيني بكافة مكوناته، والامتثال الطوعي لهذه القوانين تذهب باتجاه عدم الامتثال لأحكام القانون بل وعدم الالتزام بتطبيق معظم القوانين المقرة في السلطة الفلسطينية، والتجاوزات الواسعة وبالجملة لهذه القوانين، دليل على ذلك.
ساهمت عدة عوامل في تكوين هذه الصورة (الثقافة)، فأولا أن الموروث في أذهان الناس حول القانون وجهات تطبيقه يرتبط بفترة الإحتلال حيث كان الخروج عن قانون المحتل ومخالفة أوامرة وتشريعاته يعد أمراً محموداً، وطنياً ونضالياً، يلاقي إستحسان الناس والتنظيمات الفلسطينية كافة. هذا الفعل أُزيحَ ذهنيّاً بطريقة لا واعية ليُوَجَّهْ ضد القانون في ظل السلطة الفلسطينية، لانه لم يتم العمل على هذه الصورة الذهنية من قبل مؤسسات متخصصة، ثم نأتي لسوء تصرف بعض أفراد المؤسسة الأمنية الفلسطينية، وبالرغم من عدم كون هذه التصرفات سياسة عامة لهذه المؤسسة، إلا أن تعميمات ذهنية لا واعية كذلك رسخت في أذهان الناس مرتبطة بالموروث حول قوانين الإحتلال ورجال أمنه. يؤثر ما يثار عبر وسائل الاعلام ومؤسسات المجتمع المدني حول الفساد وسوء استخدام الصلاحيات بين الموظفين العموميين بصوة سلبية على احترام المواطنين للقانون الذي تمثله المؤسسات الرسمية وموظفيها.
استمرت كثير من المؤسسات الأهلية وغير الحكومية في عملية نقد القوانين، منذ مرحلة التشاور حتى الإقرار وصولاً إلى عملية تنفيذ هذه القوانين ومنفّذيها، والتي ركزت غالباً على إبراز سلبيات هذه القوانين وثغراتها وكذلك اخطاء منفذيها، ونادراً ما كانت تشير الى إيجابيات القوانين أو حتى أهمية القانون "كقيمة" في حياتنا جميعاً. ثم مباشرة نأتي الى "الجيوب السوداء" إن جاز التعبير والتي تنامت فيها تجاوزات القانون بشكل لافت جداً بسبب وقوعها خارج نطاق السيادة الفلسطينية بسبب التقسيمات التي أفرزتها إتفاقية أوسلو (مناطق ج) أو مناطق لاعتبارات خاصة أو مناطق في محيط مدينة القدس حيث تعتبرها حكومة الاحتلال إمتدادا لنفوذ بلديته في القدس حيث تستطيع أن تعدّد آلاف المخالفات أسبوعياً ابتداءاً من فوضى السير بالشوارع، إلى فوضى البناء غير المرخص بل وربما غير مطابق لمعايير السلامة، مرورا بجرائم تتعلق بالمخدرات، الأسلحة، التهرب الضريبي، بضائع المستوطنات او غير المطابقة للمواصفات والقائمة تطول، وليس كثرة الجرائم والتجاوزات هو الملفت فقط في هذه الجيوب السوداء ولكنها حالة العداء الجماعي للقانون وممثليه، بحيث أصبح الصدام مع القانون عرفاً سائداً وقيمة محمودة في أوساط ثقافات فرعية يعززها انتشار السلاح والعشائرية وبطالة الشباب وهو عامل لا يمكن إغفاله هنا، إضافة لعوامل اخرى.. لدرجة وصلت للصدام والاشتباك مع افراد المؤسسة الامنية عند قدومهم لتطبيق القانون وضبط المخالفات والتعديات على القانون بل واعتبار ان (المخالفة بحد ذاتها) حق لهم، وان القانون هو الحالة الدخيلة..
كما اصبح الاحتكام الى الوجهاء العشائريين والقضاء العشائري شيئا منتشرا اكثر من الاحتكام الى القانون الرسمي، خاصة في قضايا الدم او الحوادث التي تؤدي لوفاة او قضايا الاعتداء والطوش العائلية، وهذا إن دل على ضعف ثقة المواطن بالقضاء الرسمي أو على الاقل ضعف ثقته بإجراءاته، إلا أن استمرار طول وقت القضايا في المحاكم وعدم تنفيذ كثير من الاحكام لاسباب عديدة ومعه لجوء السلطة الى التعاون مع القضاء العشائري لحل بعض المشاكل والقضايا الكبيرة التي لا بد من تدخل هيبة الدولة بها، هذا الامر وإن كان يساهم بحل "مشكلة" إلا انه يساهم ايضا في تقوية نفوذ العشائرية والعائلية مقابل احترام القانون الرسمي ومؤسسات الدولة وهذا أمر خطير على المدى المتوسط والبعيد وإن كنا بتنا نلمس خطورته الآن.
ما العمل..
لا يستطيع مقال قصير مثل هذا معالجة الظاهرة ومواطن الخلل كلها ولكن على الاقل نشير الى ضرورة ان تعمل الحكومة بدوائرها الرسمية والاعلامية على تغيير تدريجي بالصورة الذهنية المتكونه لدى شرائح كبيرة من المواطنين حول ( القانون، والسلطة) ولا نقصد هنا (مؤسسة السلطة الفلسطينية) هذا الجهد لا بد ان تتدخل فيه مؤسسات المجتمع الأهلي فهي إن كانت تعتبر نفسها مسؤولة عن نقد القوانين ومتابعة مؤاعاتها للحقوق والمعايير، الا أنها شريكة للسلطة في جودة تطبيق القوانين، وجزء من هذه الجودة، هو امتثال المواطنين للقوانين التي تدعو لها.
ان تغيير المفاهيم والثقافات والصور الذهنية المتراكمة، أمر ليس بالهيّن أبداً، لا من حيث الجهد المطلوب، ولا من حيث الزمن الذي تحتاجه هذه الظواهر والصور للتغيّر، ويحتاج اجراءات طويلة الامد ولكنها واضحة المراحل والمحتوى.
من هذه الإجراءات، مثلاً، تعزيز القضاء الفلسطيني بحيث لا تأخذ القضايا سنوات طوال للبت بها، العمل من خلال المناهج التعليمية لرفع مكانة القانون وأخلاقيات الإمتثال الطوعي للقانون بداية من عدم مخالفته وصولا لتنفيذ احكامه، وكذلك تحسين صورة رجل القانون في الذهنية الجماعية، أولا من خلال انهاء التجاوزات الفرديّة، لبعض رجال القانون، وتطبيق كامل لمدونات السلوك الخاصة بالمؤسسة الأمنية. وهناك ايضاً العمل على بسط سيادة القانون من خلال ملاحقة حثيثة للجرائم والتجاوزات بشكل متساوٍ في كل المناطق، وضبط التجاوزات الصغيرة لكنها خطيرة كذلك، ليس من خلال حملات أمنية موسمية أو كردات فعل على حادثة أدت لضرر، أو أثارت الإعلام، ولكن باعتبارها عملية مستمرة طبيعية تحكم عمل المؤسسة الامنية بشكل دائم.
هناك الكثير مما يمكن أو يجب عمله بهذا المجال، وقد يفتح هذا المقال الباب أمام الباحثين للتوسع في دراسة ثقافة الإمتثال للقانون من حيث أسباب ونتائج وأجراءات تعزيز، نحو مجتمع آمن، فيه إجابة مقبوله ومرضية حول السؤالين الأوّلين، ما هو الأمن الذي نريد، ثم من هو المواطن الذي نريد، لنصل سويّاً الى الوطن الذي نريد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق