الجمعة، 17 أغسطس 2018

انا الهندي الأحمر

انا الهنديّ الاحمر بقلم عبدالله زماري

تاريخ النشر : 2018-01-28
انا الهنديّ الاحمر

من غير المتوقع _على الاقل ليس لديّ_ ان تعاملنا الادارة الامريكية كفلسطينيين على نحو مختلف عن الطريقة التي تعاملت بها مع سكان امريكا الاصليين (الهنود الحمر) واذا لم تستطع الولوج الى الملفات والوثائق الحكومية الامريكية في تلك الفترة مع استحالة عيش تلك الظروف والتراكمات حولها، نظرا لمضي عقود طويلة عليها، فما عليك ربما سوى التمعّن بالطريقة التي تعاملت بها الدراما والسينما الامريكية مع القضيّة، مع الهنود الحمر، كيف صوّرتهم، كيف ان الهندي الاحمر كان هو الحالة الشاذّة، العدوانية، الرافضة للحضارة التي جلبها الرجل الابيض الى تلك القارة المتخلّفة، الطبيعة القبليّة للسكان، الزعيم الاوحد للقبيلة، الزعيم المحارب، الثقافة المبنية على الغيبيات والهرطقة الدينية حسب وجهة نظر الرجل الابيض، كيف ان الهندي الاحمر كان بدائيّاً جداً، تصرّف بعدوانية هجومية عنيفة، او رافضة في اخف حالاتها، لكل ما جاء به الابيض، كيف يدّعي الاحمر انه صاحب الحق بالارض بالرغم من خوائها وعدم استغلاله لها سوى للصيد او للرعي في احسن درجات تحضّره، بينما الابيض جاء بالابنية الثابتة، التعدين، سكك الحديد، العلم والحضارة المتطورة، ليخرج بها تلك البلاد من البدائية الى التطور، كيف ان الابيض اطلق اسم الغرب المتوحش (wild west) على مناطق انتشار قبائل الهنود الحُمر، كيف ان الابيض مايز بين الحُمر، فهؤلاء كومانشي، وهؤلاء شايان، وهؤلاء اباتشي...الخ لكنه لم يمايز كثيرا بالنهاية في المعاملة بينهم سوى بمستوى وتوقيت البطش والالغاء والاحتواء، وتحولت قضية الهنود الحُمر بالنهاية الى قضية "محميات" سمح للحُمر بالتجمع للعيش فيها مع حقهم في ممارسة شعائرهم وطقوس حياتهم الاجتماعية والدينية، مع كون هذه المحميات لم تكن بالاتساع الكافي لاحتواء الروح الحرة للهندي الاحمر، الا انه طُلِبَ منهم ايضا الى جانب ذلك الالتزام بالقانون الامريكي ونمط الحياة المتحضرة. ثم ما لبثت هذه المحميات ان تلاشت لاسباب عديدة منها كما ذكرنا ضيق مساحتها عن احتواء الروح الحرّة للأحمر، التي ترفض المعازل والحدود الضيّقة وترى ان كل الارض هي فضاؤها بحكم اسبقيتهم فيها، وايضا كانت الاسباب غالبا ان النظام الابيض لم يكن ليكتفِ باجراءات العزل والاحتواء بل ظل يرى بهؤلاء السكان خطرا يتهدد وجوده وثقافته برغم تحولهم لاقليات منزوعة السلاح محدودة الامكانيات، فهم قبل كل شيء وبعده لا زالوا اصحاب الارض الاصليين، وهو (الابيض) المستعمر الغازي، فتحت شعارات الدمج والتعايش سعى لالغاء الآخر الذي وبرغم حقّه التاريخي اصبح الاضعف والاقل عددا وتأثيراً، لذا فان المحميات والمعازل كانت في الواقع مختبرات تدجين وتأهيل لهذا البدائي ليصبح مواطنا امريكيا حقيقياً، تلك الاحقيّة بالامركة لم تمنحه اياها كونه الاصل وكونه المالك لتلك (الامريكا)، بل كان عليه ليكتسب تلك الاحقية ان يتخلى عن كل ما يميّزه عن القادم من الشرق، اللهم الا احتفاظه ببعض الشعائر والطقوس التراثية التقليدية التي تُركَ لذاك الاحمر ممارستها كنوعٍ من صمام أمان لمنع انفجاره، وليستطيع الابيض القول انه لم يجبر احدا ان يتخلّى عن ثقافته.
الهندي الاحمر في السينما الامريكية، هو الفلسطيني في السياسة الخارجية الامريكية، هو صاحب الحق الذي ينكره الأبيض، وما تمارسه السياسة الامريكية اتجاه الفلسطينيين لن يخرج عن دائرة السابقة التاريخية بما يخص الهنود الحُمرْ التي تورط فيها الامريكي بكل إثم، وربما هذا اوان ظهور " الكاوبوي" الامريكي الذي يطلق الرصاصة الاخيرة قبل شارة النهاية في هذا الفيلم الطويل، وهذا الكاوبوي هو ترامب هنا، وهذا الفيلم حول "الغرب المتوحش" الذي نشكل نحن معظم محتويات توحشّه، مع الاشارة فقط هنا الى ان الاتجاهات معكوسة فنحن في هذا الفيلم (الشرق المتوحش) وهو الغربي الديمقراطيّ المتحضّر.
عبدالله زماري
باحث في شؤون التنمية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق