الثلاثاء، 23 يونيو 2026

بالعصا لا بالعقل: الوعي القمعيّ بديلاً للوعي الجمعيّ

عبدالله زماري، باحث في الإعلام، والرأي العام وتحليل الخطاب

 لم يكن أكثر ما لفت الانتباه في الدعوات إلى حراك 26 حزيران حجم التأييد أو الرفض، لأن الاختلاف على اي مسألة داخلية او خارجية  بات جزءاً من مشهد الرأي العام الفلسطيني، بل اللافت هو ذلك العدد الهائل من الأشخاص الذين بدوا مستعدين لمحاكمة المحتجين قبل أن يسمعوا منهم كلمة واحدة، فهم لم يسألوا ماذا يريد هؤلاء، ولا لماذا خرجوا، ولا ما الذي أوصلهم إلى هذه النقطة؟ إنما كان السؤال الوحيد: كيف نثبت أنهم خونة؟ وما الاوصاف التخوينية الأشد قسوة لاستخدامها؟ وهنا تحديداً تبدأ قصة الوعي القمعي.

تعيش بعض المجتمعات أزمات طويلة، وحروباً متواصلة، وانهيارات اقتصادية وسياسية متراكمة، وهنا يصبح الصراع على الوعي أكثر أهمية من الصراع على الأرض نفسها، فالسيطرة على الجغرافيا قد تُفرض بالقوة، لكن السيطرة على العقول تمنح المسيطر سلطة أعمق وأطول أمداً، ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن يُقمع أفراده فحسب، بل أن يُعاد تشكيل وعيهم بطريقة تجعلهم يتبنون القمع ويدافعون عنه ويعيدون إنتاجه بأيديهم، بل ويطورون ويزينونها.

من أخطر الظواهر التي يمكن رصدها في العديد من تجارب حركات الإسلام السياسي في الوطن العربي، بما فيها الحالة الفلسطينية، أنها لا تكتفي بتقديم مشروعها الفكري والسياسي بوصفه رؤية من بين رؤى متعددة قابلة للنقاش والأخذ والرد، بل تسعى إلى إنتاج ما يمكن تسميته بـ"الوعي القمعي"، وهو نمط من الوعي يقوم على إلغاء التعددية، ورفض الاختلاف، وتحويل الجماعة إلى مرجعية مطلقة تحتكر الحقيقة والوطنية والأخلاق في آن واحد.

لا يُبنى هذا الوعي القمعي، على الحوار الحر ولا على المنافسة الطبيعية بين الأفكار، بل على إعادة تشكيل إدراك الأفراد بحيث يصبح الانتماء للجماعة معياراً للحكم على الأشخاص والأفكار، ومع مرور الوقت، يتراجع الوعي الجمعي الطبيعي القائم على النقاش والتنوع والاختلاف، ليحل محله وعي مقولب يرى العالم مجموعتين لا ثالث لهما: مؤيد أو خائن، تابع أو عدو، مؤمن أو كافر، في اختزالٍ للحياة السياسية والاجتماعية بين ثنائيات حادة ومقيتة، فيصبح التفكير المستقل فعلاً مشبوهاً، فليس المطلوب منك كفرد، أن تفكر، بل أن تصطف، وليس مفترضٌ بك ان تناقش، بل أن تُردّد، كما ليس من المقبول أن تسأل، بل أن تُبرّر، وبهذا يتحول المجتمع تدريجياً إلى بيئة طاردة للعقل النقدي، ومهيأة لإعادة إنتاج الطاعة والانقياد، والنتيجة الحتمية هنا، هي مستقبلٌ قطيعيٌّ مظلم، تتحول فيه المجتمعات المنفتحة، إلى "جماعات" مغلقة، تخشى التفكير الحر، وتتعامل مع المخالف بوصفه خطراً ينبغي عزله أو تشويهه أو إسكات صوته. تصبح الكراهية _عندما يصل المجتمع إلى هذه المرحلة_ جزءاً من بنيته الثقافية اليومية، ويصبح العنف اللفظي أو الرمزي أو حتى المادي تجاه المختلف اً قابلاً للتبرير تحت عناوين العقيدة أو الوطنية أو حماية المشروع السياسي.

يثير الانتباه بشكل لافت، مفارقة أن الإنسان المقموع داخل هذه المنظومة لا يدرك غالباً أنه ضحية لها، بل على العكس تماماً، يتحول تدريجياً مدافعٍ متحمّسٍ عنها، فهو لا يرى القيود المفروضة على تفكيره بوصفها قمعاً، بل يعتبرها نوعاً من النقاء العقائدي والطهارة الوطنية، وعوضاً عن مساءلة "المتسلّط" التي يصوغ وعيه، يصبح مستعداً للهجوم على كل من يحاول مساءلة هذه الجهة المتسلّطة.

تظهر هنا واحدة من أخطر نتائج الوعي القمعي: أن المقموع نفسه يتحول إلى أداة قمع، فهو لا يكتفي بالخضوع للمنظومة، بل يشارك في حمايتها والدفاع عنها وتسويقها. وكلما ازدادت قدرته على تبرير القمع، ازدادت مكانته داخل الجماعة، فيصبح القمع فضيلة، ويصبح الاعتراض خطيئة، ويصبح الخضوع دليلاً على الالتزام والولاء، بل يقربك اكثر إلى الله والالتزام بنهجه، فكل صوت ناقد يتحول إلى صوت مشبوه، وكل رأي مختلف يصبح مؤة محتملة، وكل دعوة للنقاش تُقدَّم باعتبارها استهدافاً للوطن أو المقاومة أو الدين، وبدلاً من الدفاع عن حق الجميع في التعبير، يُعاد تعريف الحرية نفسها وفق الحدود التي تسمح بها الجماعة او الحركة المهيمنة على المجال العام.

لا يقتصر انتاج هذا الوعي، في الحالة الفلسطينية، على الخطاب السياسي أو الإعلامي، بل يمتد إلى تشكيل كتلة اجتماعية تتولى بنفسها مهمة حماية هذا الوعي القمعيّ، وإعادة إنتاجه، وهنا تظهر ظاهرة #شبيحة_حماس؛ ليس بوصفها مجرد مجموعة أفراد متحمسين أو مناصرين عاديين، بل باعتبارها وظيفة اجتماعية وسياسية هدفها الأساسي حماية السردية المهيمنة من أي مساءلة أو نقد، والشبيحة هنا موزعين بنجاعة ما بين الميدان وشوارع قطاع غزة وأزقته، وبين منصات التواصل الاجتماعي "وأزقتها"، إن جازت التسمية.

إن وظيفة شبيحة حماس لا تتمثل في إقناع المخالف بقدر ما تتمثل في إرهابه معنوياً، فهم لا يناقشون الرأي بقدر ما يشككون في صاحبه، ولا يردون على الحجة بقدر ما يهاجمون نوايا من طرحها، ولذلك فإن أي نقاش سياسي أو اجتماعي سرعان ما يتحول إلى محكمة تفتيش وطنية تُوزَّع فيها شهادات الوطنية والخيانة، ويُحاكم فيها الأشخاص على هوياتهم وانتماءاتهم بدلاً من محاكمة الأفكار على أساس منطقها وواقعيتها، ولنتذكر أن المنطق هو أول الغائبين عن كينونة الوعي القمعي.

إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تستهدف إسكات المخالف فقط، بل تستهدف أيضاً ترهيب كل من يفكر في الاقتراب من مساحة النقد، فحين يشاهد المواطن حملات التشهير والتخوين والنبذ الاجتماعي التي يتعرض لها الآخرين، فإنه يتعلم درساً غير مكتوب: الصمت أكثر أماناً من الكلام.

وتبدو هذه الآلية بوضوح شديد عند كل محطة تفتح الباب أمام مساءلة الواقع القائم، ففي اللحظة التي يطرح فيها مواطن سؤالاً مشروعاً حول الأداء السياسي أو الاقتصادي أو الإداري، لا يجري التعامل مع السؤال بوصفه حقاً طبيعياً، بل يُنظر إليه باعتباره تهديداً يجب احتواؤه أو إسكات صاحبه، فتصبح الرّهبةُ من السؤال أكبر من الرغبة في الحصول على اجابته.

ولعل التفاعلات التي رافقت الدعوات إلى حراك السادس والعشرين من حزيران/يونيو في قطاع غزة تمثل نموذجاً عملياً متكاملاً لهذه الظاهرة، فقبل أن يبدأ الحراك أصلاً، وقبل أن تُناقش مطالبه أو تُدرس دوافعه أو تُفحص الظروف التي أنتجته، كانت ماكينة التخوين قد بدأت عملها بكامل طاقتها، لم يكن السؤال المطروح: لماذا يشعر جزء من المجتمع بهذا القدر من الاحتقان؟ ولماذا وصل بعض الناس إلى قناعة بضرورة الاحتجاج؟ وما الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي دفعت إلى ذلك؟ بل كان السؤال الوحيد تقريباً: من يقف خلف هؤلاء؟ ولصالح من يعملون؟ ومن يمولهم؟ ومن يحركهم؟ وبذلك جرى تحويل النقاش من مناقشة الأسباب إلى مطاردة النوايا، ومن البحث في الوقائع إلى البحث عن متهمين لتخوينهم وتكفيرهم وبالتالي تخوين الحراك وفكرته والمشاركين المحتملين فيه، وتظهر أمامنا هنا، إحدى أهم تقنيات إنتاج الوعي القمعي؛ إذ يُمنع المجتمع من التفكير في الأزمة نفسها، ويُدفع للتفكير فقط في الأشخاص الذين يتحدثون عنها

يشهد الفضاء الرقمي خلال الفترة التي تسبق انطلاق الحراك، سيلاً من حملات التخوين والتشويه والاستقطاب، وكأن مجرد المطالبة بمراجعة الواقع أو انتقاده أصبحت جريمة سياسية وأخلاقية، وتحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات لمحاكمات شعبية لا تبحث عن الحقيقة بقدر ما تبحث عن إثبات الولاء لمصدر القمع، فكل من أبدى تعاطفاً مع حق الناس في الاحتجاج وُضع تحت الشبهة، بل ربما اتهم بالخيانة، وكل من طالب بالنقاش اتُهم بأنه يخدم أجندات معادية، وكل من رفض الاصطفاف الكامل جرى التعامل معه باعتباره عدواً يجب الخلاص منه.

الأخطر من ذلك أن هذه الممارسات كشفت عن نجاح طويل الأمد في إعادة تشكيل الإدراك الجمعي، إذ لم يعد كثيرون ينظرون إلى حرية التعبير باعتبارها حقاً عاماً، وإنما امتيازاً مشروطاً بالموافقة المسبقة على الرواية السائدة، ولم يعد النقد يُنظر إليه باعتباره أداة للتصحيح والمراجعة، بل باعتباره شكلاً من أشكال الت، ولم يعد الاختلاف جزءاً طبيعياً من المجتمع، بل انحرافاً يستوجب العقاب، والقتل أحياناً. وتكمن الخطورة الحقيقية هنا، فالمجتمع لا يفقد حريته عندما يُمنع الناس من التعبير فقط، بل عندما يقتنع قسم من الناس بأن مصادرة حق الآخرين بالتعبير والرأي فضيلة، ولا ينتصر القمع عندما ينجح في إخافة المعارضين فحسب، بل عندما ينجح في تجنيد ضحاياه ليصبحوا أدواته الأكثر فاعلية وقسوةً..

إن المجتمعات الحية لا تُقاس بمدى اتفاق أفرادها، بل بقدرتها على إدارة الاختلاف، أما حين يصبح الاختلاف جريمة، والنقد خيانة، والتعددية تهديداً، لإانت في مجتمع تحكمه احدى الحركات السياسية "المأسلمة"، وابرزها واكثرها انتشارا هي حركة الإخوان المسلمين، فهي ما برزت في مجتمع إلا وبدأت في إفقاده مناعته الفكرية، وسلبه حريته بالاختيار وتبني ما يراه مناسباً من أفكار والتعبير عما يناسبه من آراءـ والمصيبة أعظم عندما تكون احد هذه الحركات تحكم مجتما او كيانا سياسيا ما، عندها لا يعود الخطر في الخصوم الخارجيين فقط، بل في البنية الذهنية التي تجعل الإنسان يتنازل طوعاً عن حقه في التفكير الحر، ثم يطالب الآخرين بالتنازل عنه أيضاً.

ولهذا فإن معركة المستقبل ليست فقط معركة سياسية، بل هي معركة على طبيعة الوعي ذاته: هل نريد وعياً جمعياً حراً قادراً على النقد والمراجعة والتصحيح، أم وعياً قمعياً يعيد إنتاج نفسه عبر الخوف والتخوين والتقديس؟

إن أخطر أنواع القمع ليست تلك التي تُفرض بالعصا أو السلاح، بل تلك التي تتمترس داخل العقول، فيتبنى الإنسان رهبة رقابة نفسه، ويتجند مهاجماً لأفكار الآخرين، مدافعاً عن القيود التي تكبله، فيحقق انتصاره الأكبر، عندها لا تعود المشكلة في وجود سلطة تقمع تفكير المجتمع ووعيه، بل في وجود مجتمع يتولى بنفسه مهمة إعادة إنتاج القمع وتضخيمه جيلاً بعد جيل.

 يتبع الجزء الثاني

هناك تعليق واحد: