في الوجدان الجمعي الفلسطيني، لم يكن "العناد" يوماً ترفاً نفسياً اختيارياً، أو سمة شخصية عابرة، بل بلورته الاحداث عبر العقود، كإستراتيجية بقاء، وخيار وجودي حتمي، وحين صدح "غوار الطوشة" ببساطته الآسرة "يا عنيّد يا يابا"، لم يكن يغني مجرد أهزوجة ريفية عابرة، بل كان يعيد إحياء نبضٍ قديم؛ فهذه الأغنية التي يتناقلها الناس اليوم، والتي يعود أصلها إلى قصيدة حزينة نظمها بدوي عراقي مُسِن، تفيض بمرارة الفقد والعتاب لإبنه الوحيد "عناد" الذي رفض العودة للعشيرة وفضل البقاء في تركيا بعد انتهاء تجنيده هناك، قبل أن تمر القصيدة بمحطات من التحوير والإضافة على أيدي فنانين كثر طوعوا كلماتها لتلائم سياقاتهم، ونحلل هنا "النسخة الغَوّاريِّة"، والتي وإن لم يوجهها غوار الطوشة للفلسطيني، لكنها لامست_وإن بشكل غير مباشر_ عصبا حيّا في الشخصية الفلسطينية، الصراع الأزليّ بين الفناء والنهوض إن هذه الأغنية تطرح في طياتها معادلة صلبة، تختصر واقعاً دولياً مريراً لا يعترف إلا بموازين القوى، حيث "غير القوي لا يعيش يا عنيّد يا يابا"، وحيث أدرك الفلسطيني، وهو يواجه آلات المحو الممنهج، أن العناد هو الترياق الوحيد والدرع النفسي الذي يحميه من التحول إلى مجرد "ضحية منسية" في أرشيفات التاريخ المهملة، ليتحور هذا العناد، من مفهوم التصلب الذهني، ليصبح إصراراً مقدساً على الحق، وهو ذاته "الصمود" الذي حوّله الأدب الفلسطيني من فعل ثبات يومي إلى أيقونة كونية تُلهم الأحرار في كل بقاع الأرض.
تتجلى ذروة هذه المأساة المغلفة بالجمال في تلك المفارقة الصارخة
بين الوردة والشوك؛ فالفلسطيني في إبداعات محمود درويش وسميح القاسم هو ذلك الكائن
الذي يصرّ على زرع الأمل والجمال في أرضه المسلوبة رغم "الشوك" الذي يزرعه
الاحتلال في حياته، وخذلان القريب والبعيد على حد سواء، وهذا العتب الأخلاقي الحاد
تجاه "الأهل والقرابة" الذي حمله النص الأصلي للقصيدة العراقية الحزينة،
تحول في الوعي الثقافي الفلسطيني إلى صرخة احتجاج ضد الصمت المطبق، مما رسّخ
يقيناً لدى "العنيّد" بأن الاتكاء الوحيد الموثوق قطعاً، يجب أن يكون
على الذات أولاً، وعلى أكتاف الرفاق الذين "يسندون الحمل" في الملمات.
عبَر العناد من حنجرة المغني ليصبح الركيزة البنيوية للوعي الوطني،
متمثلاً في "عناد الذاكرة" التي تأبى الشيخوخة أو الزوال، والتمسك
الأسطوري بمفاتيح البيوت وأسماء القرى التي أُريد لها أن تُمحى من الخارطة، لتصبح
ممارسة التفاصيل اليومية بكرامة تحت القصف والحصار هي قمة التحدي الإنساني، أو ما
يمكن تسميته "أدب المقاومة بالحياة".
"حملي ثقيل ومن يساندني أحمله في عيني"، رسالة مشفرة
نوعا ما، شكلت الجوهر الأخلاقي الذي منع المجتمع الفلسطيني من الانهيار السيكولوجي
والوطني، حيث تحول الثقل من عبء فردي إلى هَمّ جماعي يتقاسمه الجار مع جاره
والفدائي مع شعبه، إن رسالة "يا عنيّد" إن شئت ان تنظر اليها بهذه
الصورة، هي في نهاية المطاف ميثاق دائم يذكرنا بأن الوفاء لهذه الصلابة هو أسمى
درجات الوعي، وأن التمسك بالجغرافيا والتاريخ في وجه التزييف هو البطولة الحقيقية
التي لا تقبل المساومة.
اختار الفلسطيني _طائعا او مُرغماً_ العناد طريقاً، ليس حباً في
الوعورة أو بحثاً عن الشقاء، بل لإدراكه اليقينيّ، بأن بديل العناد ليس السلام
الموهوم الذي تروّج له القوى الكبرى، بل هو الفناء المطلق والضياع في طيات
النسيان؛ فنحن أمة اختارت أن تظل "عنيدة" لأنها تدرك أن كرامتها تكمن في
قدرتها على قول "لا" حين يراد لها أن تنحني.
عبدالله
زماري
باحث
في الاعلام وتحليل الخطاب
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق