الثلاثاء، 3 فبراير 2026

غزة والطاعون: الشرعية الكارثية وإدارة الموت بوصفها سياسة

لا تنتمي رواية الطاعون لألبير كامو إلى أدب الأوبئة بقدر انتمائها إلى أدب السلطة في زمن الانهيار، فالمرض، في الرواية، ليس سوى محفّز يكشف ما هو أعمق: كيف تتصرف السلطة حين تواجه خطرًا يتجاوز قدرتها على السيطرة، وكيف تتحول الكارثة من تهديد يجب احتواؤه إلى حالة تُدار، ثم إلى شرط ضمني لاستمرار النظام القائم.

من هذا المنظور، لا تبدو غزة تحت حكم حماس مجرد ساحة حرب، بل فضاء سياسيًا يعيش في حالة طاعون دائمة، لا بمعناها البيولوجي، بل بوصفها حالة استثناء مستمرة، يُعلَّق فيها السؤال، وتُؤجَّل المحاسبة، ويُعاد تعريف الحياة نفسها وفق مقتضيات البقاء السلطوي.

في «الطاعون»، تتردد السلطة في الاعتراف المبكر بالخطر، لأن الاعتراف لا يعني فقط تسمية المرض، بل يعني الاعتراف بحدود السيطرة، وما إن تُكسر هذه الحدود، حتى تصبح السلطة مطالبة بالفعل لا بالخطاب، وبالحماية لا بالتبرير، في غزة، كان الاعتراف بفشل إدارة الصراع، أو بمحدودية الخيارات، اعترافًا يهدد أسس الحكم ذاتها، لذلك جرى نقل الكارثة من مجال السياسة إلى مجال الغيب، حيث تُرفع عن القرار صفته البشرية، ويُنزَع عنه طابعه القابل للنقد.

هنا تتشكل ما يمكن تسميته بـ الشرعية الكارثية: شرعية لا تُستمد من الإنجاز أو القدرة على توفير الحياة، بل من القدرة على الصمود داخل الموت، ومن تحويل الألم إلى مورد رمزي يُعاد استثماره سياسيًا، في هذا السياق، لا تُقاس السلطة بمدى حمايتها للناس، بل بمدى قدرتها على إدارة تضحياتهم، ولا يُنظر إلى الخسائر بوصفها فشلًا، بل بوصفها دليل صدق أخلاقي، وعلامة نقاء في الطريق.

كامو يلتقط هذه اللحظة بدقة حين يصف كيف يصبح الطاعون جزءًا من النظام اليومي، لا لأنه حتمي، بل لأن السلطة تتكيّف معه بدل أن تكافحه، وفي غزة، لم تُعامَل الحرب بوصفها كارثة يجب منع تكرارها، بل بوصفها بيئة حكم مثالية، تُعطّل السياسة، وتُغلق المجال العام، وتُعيد إنتاج الطاعة عبر القمع والخوف، والتعبئة، واستدعاء المطلق الديني.

الإعلام، في هذا السياق، لا يعمل بوصفه وسيط معرفة، بل بوصفه جهاز ضبط، كما في رواية كامو، حيث تُلطّف اللغة لتأجيل الانفجار، يقوم إعلام حماس بإعادة صياغة الواقع لغويًا وأخلاقيًا، الهزيمة تُفرغ من معناها المادي، وتُملأ بدلالات رمزية، والدمار يُعاد تأويله كإنجاز قيمي، والخسارة تُقدَّم كضرورة تاريخية، بهذا، لا يعود الإعلام مرآة للواقع، بل أداة لإعادة إنتاجه بما يخدم استمرار الحكم.

ومع تراكم الدورات، يتحقق أخطر ما حذّر منه كامو، وهو تطبيع الموت، حيث يفقد القتل فرادته، وتُسحب من الحياة قيمتها السياسية، ويُختزل الإنسان إلى رقم قابل للتعويض في خطاب الصمود، في هذه المرحلة، لا يعود السؤال عن جدوى القرار مشروعًا، لأن القرار نفسه خرج من نطاق السياسة، ودخل في نطاق القداسة، وهنا، يتحول المجتمع من غاية الحكم إلى مادته الخام.

حماس، بوصفها سلطة مكتملة، لم تنجح في الانتقال من منطق الحركة إلى منطق الدولة، ولا من منطق التعبئة إلى منطق الرعاية، بل أعادت إنتاج منطق الاستثناء بوصفه قاعدة دائمة، فالاستثناء يسمح بتعليق الحقوق، وتبرير القمع، وتأجيل أي أفق سياسي بديل، وكلما طال أمد الاستثناء، ترسخت السلطة، لا بقوة الإنجاز، بل بقوة غياب البديل.

كامو، في «الطاعون»، لا يُدين المرض، بل يُدين النظام الذي يتغذى عليه، لا يبرّئ العدو الخارجي، لكنه يرفض أن يتحول وجوده إلى ذريعة لإلغاء المسؤولية الداخلية، فالطاعون، في جوهره، ليس حدثًا طارئًا، بل بنية سياسية تعيد إنتاج نفسها كلما التقت السلطة المغلقة مع الخوف، والغيب مع السياسة، والموت مع الشرعية.

من هنا، فإن أخطر ما يواجه غزة ليس القصف وحده، بل نمط حكم يرى في الكارثة أفقًا، وفي الألم موردًا، وفي الغيب أداة لإغلاق النقاش العام، وما دام الموت يُدار بدل أن يُمنع، وما دامت المعاناة تُستثمر بدل أن تُسائل، فإن الطاعون سيبقى، حتى لو تغيّرت الشعارات، وتبدّلت الوجوه.

عبدالله زماري، باحث بالاعلام وتحليل الخطاب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق