السبت، 12 يناير 2019

فوز اليمين بانتخابات الرئاسة البرازيلية وتداعياته على القضية الفلسطينية

فوز اليمين بانتخابات الرئاسة البرازيلية وتداعياته على القضية الفلسطينية
تقدير موقف
 عبدالله زماري 29/10/2018
فاز اليميني المتطرف (جايير بولسونارو) بانتخابات الرئاسة البرازيلية يوم الاحد 28/10/2018، بنسبة (55.1%) من الاصوات، في الجولة الثانية من الانتخابات، متقدما على منافسه اليساري عن حزب العمال البرازيلي (فرناندو حداد). بعد 14 عام من حكم اليسار البرازيلي.
تعد البرازيل قوة اقليمية كبرى، واحد اكبر الاقتصادات في العالم وكانت حققت معدلات نمو مرتفعة، قبل ان يضربها الركود الاقتصادي لسنوات، وتحت حكم حزب العمال، برئاسة لولا دا سيلفا، كانت البرازيل احد حلفاء الفلسطينيين واعترفت بدولة فلسطين وافتتحت سفارتها في برازيليا العاصمة الادارية للبلاد، كما لعبت دورا دبلوماسيا جيدا لصالح القضية الفلسطينية في المنظمات الدولية ودول الجوار اللاتينية.
يؤشر هذا الفوز الى تغييرات جذرية في السياسة الخارجية للبرازيل، اضافة لتغير في سياستها الداخلية، وهو ما حَوَتهُ وعوده خلال حملته الانتخابية. وكان من بين وعوده اغلاق السفارة الفلسطينية في بلاده، ونقل سفارة بلاده الى القدس مع اعترافه بها عاصمة "اسرائيل" كما يخشى من امتداد تاثيره ليشمل عددا من دول امريكا اللاتينية، فتحذو حذوه بنقل سفاراتها للقدس.
وهنا تحاول الورقة الاجابة على الاسئلة التالية:
من هو جايير بولسونارو، وماذا يمثّل؟     
ما هي ابرز التغييرات المحتملة بعد توليه لمهامه؟
ما اثر هذا الفوز على القضية الفلسطينية والاقليم؟


تقديم:
استمر حكم اليسار البرازيلي لما يقرب من 14 عام منذ عهد الرئيس دولا سيلفا والذي شهدت البلاد في عصره تقدما ونموا اقتصاديين غير مسبوقين، الا انا اقتصاد البرازيل تعرض لحالة من الركود الخطير في عهد خليفته والتي اختارها بنفسه (ديلما روسيف) والتي عزلها برلمان البلاد بسبب (فضائح مالية).
ويعاني المجتمع البرازيلي من معدلات عنف وجريمة قياسية، واكتظاظ السجون مع قصور من قبل الشرطة البرازيلية على الحد من معدلات الجرائم المرتفعة، اضافة الى اثار الركود الاقتصادي على الشعب البرازيلي من انخفاض معدلات الانتاج الى انخفاض نسب النمو، والتضخم والبطالة العالية، وتاثير ذلك المباشر وغير المباشر على حياة المواطنين البرازيليين، وهو امر تعتقد شرائح واسعة من الشعب ان الحكومة اليسارية هي المتسببة به، اضافة الى انتشار الفساد السياسي، وهو امر تلام عليه الحكومة السابقة شعبيّاً.
ولما كان الرئيس البرازيلي الاسبق "لويس لولا دا سيلفا" يقضي عقوبة في السجن فان الحزب اختار المرشح فردناند حداد ليكون مرشحه للرئاسة وهو لم يكن مرشحا قويا.
اتسمت حملة الانتخابات البرازيلية بالتعقيد الشديد، حيث تم خلال مراحل السباق الرئاسي اكتشاف فساد مالي لدى عدد من المرشحسن مما ادى الى توجيه اتهاكات قضائية واحكام بالسجن حرمتهم من اكمال المسيرة، كما تعرض مرشح حزب العمال البرازيلي (فرناندو حداد) الى الكثير من التشويهخ والاشاعات والاخبار الكاذبة مما ساهم في تدني شعبيته والذي ارتبط بانخفاض شعبية حزبه وسخط المواطنين على اداء الحزب بالسنوات الاخيرة. تعرض بولسونارو اثناء المراحل الاخيرة من الحملة الانتخابية الى "محاولة اغتيال" فاشلة، حيث تعرض للطعن في البطن اثناء حضوره، تجمعا انتخابيا لمناصريه، كان هو من اكبر المستفيدين منه حيث خدمه في ناحيتين هامتين، الاولى هي اعطاءه ذريعة للابتعاد عن اجراء مناظرات سياسية مع خصمه بحجة الوضع الصحي له، ثم التعاطف الذي حصل عليه نتيجة كونه ضحية اعتداء هدف لاغتياله على خلفية سياسية كما ورد في بيان الشرطة البرازيلية، هذا الاعتداء الذي اشارت بعض الاصوات انه كان مفتعلا ضمن الحرب الانتخابية الدائرة وقتها بل وتم التخطيط له جيدا، كي لا يكون قاتلا.


من هو بولسونارو وماذا يمثل.
هو جايير ميسياس بولسونارو مواليد ساوباولو في (21 مارس1955)، قائد عسكري سابق بالجيش البرازيلي وقد كان في عام 1991 نائبا عن حزبه (الحزب الاشتراكي الليبرالي البرازيلي) وكانت اراؤه مثيرة للجدل حيث انه يميني متطرف شعبوي، يحمل مواقف متطرفة ضد الاقليات والمثليين والنساء، كما انه ابدى اعجابه بفترة الحكم العسكري الدكتاتوري للبرازيل، وهو امر يخشى كثيرون انه سيقوده الى سحق الحريات العامة والمس بحقوق الانسان كما كان يحدث حينها.
خلال حملته الانتخابية اطلق بولسونارو الكثير من الوعود الانتخابية متضمنة تصريحات متطرفة في كثير من الاحيان. الا انه يطرح نفسه مرشح العائلة المحافظة والكتاب المقدس، وهاجم باراء متطرفة المثليين، البرازيليين من اصول افريقية، النساء، يشجع المواطنين على حمل السلاح لمواجهة الجريمة، وعد بتخفيف القيود المفروضة على الشرطة لاطلاق النار على المجرمين حيث (لا مجال للحب والسلام هنا) حسب قوله، هاجم كثير من المسؤولين السياسيين ( الفاسدين) وهاجم بقية مرشحي الرئاسة في الجولة الاولى متهما اياهم بانهم سيئون فاسدون...الخ الخ
اعتمد بولسونارو في طريقه الى المنصب على ركيزتين اساسيتين، هما:
انكشاف فساد معظم المرشحين للرئاسة، وكثير من رجال السياسة عموما مما ادى لاحكام قضائية بسجنهم، وعلى رأسهم لولا داسيلفا،
تصاعد التيار الانجيلي في البرازيل والذي يهتم ويسعى جاهدا كي يحكم احد ابناءه البرازيل، حيث يشكل الانجيليون ما نسبته (22%) من مجموع السكان، بعد ان كانوا 6% قبل ثلاثين سنة، واصوات هؤلاء ذهبت جميعا الى بولسونارو عن طيب خاطر، كما ان اعضاء في التيار الانجيلي يعتبرون من كبار الاثرياء ورجال الاعمال في قطاعي البنوك والاعلام، وهو ما ساهم في دعم بولسونارو، ليس بالمال لحملته الانتخابية فحسب، ولكن سيطرة هؤلاء على البنوك والإعلام، ساهمت في كشف فساد منافسيه، اضافة الى حملات التشويه والهجوم ضد المنافسين، وخاصة فردناند حداد في الجولة الثانية. (موضوع التيار الانجيلي موضوع واسع خطير، ويستدعي بحثا مستقلا حوله لما يحمله من اخطار خاصة ضد القضية الفلسطينية).
كما يتمتع بولسونارو بالكاريزما التي تؤهله لقيادة الناس، لكنه لا يطرح حلولا عملية لحل مشكلات البرازيل الاقتصادية والاجتماعية لكنه مستمر في اعطاء الوعود الكبيرة اقتصاديا واجتماعيا، والنواحي الاجتماعية بالذات وفرت له دعما جيدا من الفئة المحافظة بالمجتمع البرازيلي والذي جاءت اراؤه مناسبة لآرائها ومخاوفها المرتبطة بالسياسات الليبرالية. كما انه صرح بخصوص السياسة الخارجية للبرازيل:
انه سيسعى لتحسين وضع البرازيل الاقتصادي من خلال التقرب من الولايات المتحدة واسرائيل.
سيقوم بالانسحاب من الامم المتحدة بوصفها "اجتماعاً للشيوعيين" وعديمة الفائدة
كما سبق ان صرح انه سينسحب من اتفاقية باريس المناخية كجزء من حلوله لانقاذ الوضع الاقتصادي للبلاد.
لا يمكننا الاستمرار في مغازلة الاشتراكية والشيوعية والشعبوية وتطرف اليسار"، متعهداً أن يحكم البلاد "متبعا الكتاب المقدس والدستور". وهذا ما دفع بعض المحللين للقول بامكانية، انسحابه من "اتحاد الاقتصاديات الوطنية الناشئة BRICS" والتي تضم اضافة للبرازيل كلا من روسيا، الهند، وجنوب أفريقيا والصين.

مواقف بعض الاطراف:
تعهد الرئيس المنتخب جايير بولسونارو بحكم البرازيل بـ"الكتاب المقدس والدستور" و"تغيير مصير" البلاد. وهاجم بولسونارو في خطاب الفوز اليسار، لكنه أكد بالمقابل على دفاعه عن "الدستور والديمقراطية والحرية" وهو استمرار وتاكيد لنفس الخطاب الذي احتوته مسيرته الانتخابية والتزامه بوعوده للانجيليين ( وهو ما يفسر تقديمه الكتاب المقدس على الدستور في كلمته) والمحافظين وكل داعميه.
امتنع مرشح حزب العمال الخاسر فرناندو حداد عن تهنئة الرئيس الجديد بالفوز في المؤتمر الصحفي الذي عقده بعد اعلان النتائج بل طالبه باحترام حقوق وحريات واراء ما يزيد عن 44% من السكان لم يصوتوا له.
في اتصال هاتفي، هنأ الرئيس الامريكي ترامب بولسونارو والبرازيل بفوزه بالانتخابات وقالت الناطقة  باسم البيت الابيض ان الرجلين عبرا عن التزامهما القوي بالعمل على تحسين حياة شعبي الولايات المتحدة والبرازيل، وحياة شعوب الأمريكيتين باعتبارهما زعيمين إقليميين". وهو ما يفسر على انه وعود مسبقة بين الرجلين.
في برقية بعثها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، هنأ الرئيس بولسونارو بالفوز بالرئاسة، وابلغه "تقديره العميق للخبرة الكبيرة المتراكمة في تعاون البلدين في مختلف المجالات ضمن علاقات الشراكة الاستراتيجية" وهو ما يفسر على انه مخاوف من انتهاء فترة التقارب بين البلدين وانسحاب البرازيل من اتحاد brics.
احمد رمضان، رئيس المركز الثقافى العربى البرازيلى، قال إن خوض ذلك المرشح الرئاسى فى أزمات كتلك (يقصد القضية الفلسطينية) ينم عن "جهله" بماهية الروابط والعلاقات التى تجمع البرازيل ليس فقط بالشعب الفلسطينى وإنما بالوطن العربى بأكمله.
البروفيسور صموئيل فيلدبيرج، الخبير السياسي وأستاذ العلاقات الدولية فى جامعة ساو باولو، قال أن نقل السفارة البرازيلية من تل أبيب إلى القدس لن يكون مستبعدا فى حكومة جير بولسونارو، على غرار الإجراء الأمريكى، رغم ذلك فأن علاقات البرازيل مع إسرائيل حاليا أفضل بكثير مما كانت عليه من قبل، ومن الممكن أن يضيف بولسونارو "قليلا" إلى تلك العلاقة إذا تم انتخابه.
** لا زال الوقت مبكرا قليلا على مزيد من المواقف من اطراف مختلفة نظرا لحداثة اعلان النتائج، وربما بقية الاطراف لن تحمل مواقفها سوى امورا بروتوكولية في الوقت الراهن الى ان تبدأ سياسة الرئيس الجديد الفعلية تاخذ مكانها على الارض، خاصة على الساحة الدولية.

بولسونارو وفلسطين
فيما يتعلق بفلسطين، تبدو سياسة بولسونارو قريبة من سياسة ترامب الرئيس الأمريكي، وبالمناسبة فان  شرائح واسعة من انصاره تلقبه " ترامب البرازيل" وفي مقابلة صحفية أثناء الحملة الانتخابية، فقد قال من بين امور اخرى، انه في حال فوزه بالرئاسة فسيقوم بإغلاق سفارة فلسطين في بلاده، برغم إعتراف البرازيل بفلسطين دولة مستقلة، الا انه قال ان الإتفاق الذي افتتحت بموجبه السفارة جاء نتيجة مفاوضات "دا سيلفا" مع "ارهابيين" ويقصد بذلك الفلسطينيين. وضرورة ازالتها وليس فقط الغائها. كما عبر عن دعمه لنقل سفارة بلاده الى القدس.
هذا الامر اذا ما طبق واقترن بسياسة تقارب وتنسيق مواقف بين البرازيل والولايات المتحدة (وهو المتوقع الأرجح) في ظل حكم رئيسين يمينيين متطرفين شعبويين، يحظى كل منهما بدعم قوي جدا من مجتمع الكنيسة الانجيلية، بل كليهما صنيعة هذا التيار الديني السياسي (المسيحية الصهيوينة)، سيعني من بين امور عدة ما يلي:
تقارب برازيلي اسرائيلي اكبر، وتوقيع اتفاقيات تعاون امني واقتصادي استراتيجية بين البلدين.
خروج البرازيل من اتحاد الاقتصادات الوطنية الناشئة (BRICS) وهو ما يعني ابتعادها عن هذا التحالف الذي كان يسعى لتشكيل بديل او مكافيء لقوة الولايات المتحدة اقتصاديا وسياسيا ..الخ وهو ما يعني ضربة قاسية لهذا التحالف الذي تقوده روسيا والصين.
قيام البرازيل بسلسلة اجراءات تشمل (اغلاق السفارة الفلسطينية فيها، الاعتراف بالقدس عاصمة، ونقل سفارة البرازيل من تل ابيب الى القدس، تغيير موقف البرازيل في المنظمات الدولة بما يخص القضية الفلسطينية)
تاثير البرازيل على دول الجوار في امريكا اللاتينية، فيما يتعلق بالصراع (الفلسطيني الاسرائيلي) باتخاذ مواقف شبيهة وتشجيعها على اتخاذ خطوات ديبلوماسية شبيهة، خاصة ان معظم دول امريكا اللاتينية تعتبر من الدول الداعمة الحليفة للفلسطينيين وتدعم مواقفها خاصة في المنظمات الدولية، يشار هنا الى تنامي متزايد في تواجد ونفوذ الانجيليين في عدد من دول امريكا الجنوبية مثل غواتيمالا، هندوراس، نيكاراغوا، السلفادور، وهذه الدو لتقع في دائرة الخطر نحو تبنيها نقل سفاراتها الى القدس المحتلة، وهناك غيرها وان بنسب أقل، لكن حركة ونشاط الانجيليين مستمر في رفع النسب فمثلا كولومبيا وصلت نسبتهم فيها الى 13% بعد ان كانت 3% قبل عدة سنوات، البيرو نسبة الانجيليين تشكل 12.5% من السكان وفي تزايد.
تقليص او وقف دعم البرازيل للاونروا، والتي بالرغم انها تقع في المرتبة ال34 عالمياً من حيث حجم التمويل الا ان المرحلة الصعبة التي تمر بها الاونروا تجعل اي نقص تمويل يزيد الامور صعوبة اضافة الى الرسالة السياسية الموجهة من خلال وقف الدعم.
دخول العلاقة بين الدولة البرازيلية والمواطنين من اصل فلسطيني وعربي الى مربع التوتر والتأزم وربما التضييق بسبب موقف الحكومة الجديدة من الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، وايضا مواقف الرئيس العنصرية المعلنة ضد المهاجرين والاجانب.
* لا زال الوقت مبكرا على اصدار احكام نهائية حول سياسة وتصرفات الرئيس البرازيلي الجديد على الساحتين الداخلية والدولية، الا ان خطوطها العريضة حددها خلال برنامجه الانتخابي ولن تكون بعيدة عنها وهي نسخة قريبة جدا من النموذج الترامبي. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق