الأحد، 9 سبتمبر 2018

عن الشباب

عن الشباب
يا فؤادي لا تسل عن الهوى.. كان صرحا من خيالٍ فهوى.
كان لي شرف المشاركة اليوم (6-9-2018) في مؤتمر شبابي لمناقشة وثيقة الرؤية الشبابية الوطنية، برعاية وتنظيم ناجح من مؤسسة مسارات، وحاز المؤتمر على حضور جيد في قاعتي المؤتمر (رام الله وغزة) حيث حضر الشباب وحضر غير الشباب، وكان هناك عديدُ مداخلاتٍ ثرية، ومداخلات أخرى تشعر أنها غير ذات تمّاسٍ مباشر مع الموضوع، ولكن لا بأس، فهي أيضا مهمة لأنها تلامس الواقع من زوايا أخرى.
لا زلت هنا عند نظريتي " العالم شاب، الوطن شاب" والمؤتمر والوثيقة جاءتا لدعم هذه النظرية في نفسي، ولكن، من خلال بعض المداخلات لمست بعض الملاحظات، قد تكون محقة، وقد اكون اسأت قراءتها، أشاركها معكم هنا.
الملاحظة الاولى كانت كمية التيه الذي يعصف بالشباب الفلسطيني، فالرسائل التي خرجت من المداخلات، كانت قوية بمجملها، لكنها أشبه بقصفٍ عشوائي (ليست جميعها طبعاً) فإن أصاب فخيرٌ وزين، وان لم يصب فإنه على الأقل يحرك سكون الصمت.
_ ثم هناك كمية كبيرة من الغضب والسخط، والتي وإن كانت لم تُجلّل بالفاظ نابية وعصبية، الا ان السخط بيّنٌ جليّ، إن أردت قراءته. لا يستطيع أحد هنا ولا يملك الحق أن يلوم سخط الشباب، وغضبهم، فواقعهم يثير السخط والغضب والثورة، وهنا أقول _وهذا رأي شخصي_ أن هناك جمر ثورة يستعر تحت رماد الإحباط وانسداد الأفق على كل الأصعدة، وربما، اقول ربما، أن ما يكبح انكشاف الجمر هو أن واقع الشباب غير منفصل عن واقع بقية وطنهم، فهو أيضا ليس بخير، وبعيد جدا عن أن يكون بخير. ولكن الى متى يبقى هذا الأرتباط كابحاً لثورة الشباب؟ حسنا، أنا لا امتلك إجابة.
هذا التيه من جهة، والسخط من جهة أخرى يبرز العامل الاخطر، ألا وهو حالة الاغتراب الشديد والتي تتوسع في أوساط الشباب بشكل خاص، اغتراب يعيق كل الجهود التنموية الهادفة للبناء، يعيق الانتاج، ويعيق مساهمة الشباب في الابتكار والابداع، والمشاركة السياسية والنضاليه.
_ ملاحظة اخرى، هناك حالة عامة من تحميل المسؤوليه، فالشباب يحملون مسؤولية مآل أوضاعهم الى "الكبار" في مراكز السلطة والقرار، والذي وإن كان صحيحا بشكل جزئي، إلا أن الشباب أنفسهم يتحملون مسؤولية هذا الجانب بنسبة كبيرة، وهناك كثير مما يقال هنا، لكنني سأكتفي باضاءات قليله...
١. انت ايها الشاب تطالب بالمشاركة في صنع القرار، بل وبتسيّد المشهد السياسي، ولكنك تُحجمُ عن المشاركة في الانتخابات المختلفه، ودليل ذلك النسب المتدنية في انتخابات الجامعات وغيرها، وحتى المشاركين بها فإنهم مدفوعون بضغط حزبي أو تأثير لحظي، وتعالوا لا ننكر دور كروت الاتصال في ضخ "اصوات للصندوق" وهذه جريمة انتم مسؤولون عنها وحدكم.
2. انت ايها الشاب تطالب بفرص عمل ووظائف، ومعك حق في ذلك، وتطالب المسؤولين بتوفيرها، ومعك حق ايضا، ولكن الا تعتقد معي ان احجامك عن العمل التطوعي، وابتعادك عن المبادرات ومحاولات الابتكار، ساهم في التردي الذي تعاني منه البلد، يقول البعض، لمين نتطوّع، ونخدم مين؟! هذا سؤال غريب خطير، وهو ترجمة واضحة للتيه والاغتراب، ولكن من يخرجكم من هذه الحالة ان لم يكن انتم!
ملاحظة جديدة، هي ان كثير من الاصوات تحمل نزعة الاقصاء والانتزاع، اقصاء "الكبار" وانتزاع الدور، حسنا، هذا محرمٌ ان لم يكن عبر صندوق الانتخابات والوسائل السلمية، ولا بد هنا وانت تطالب بتسيّد المشهد، من ان تحمِل برنامجاً متكاملا او على الاقل مكمّلاً للسائد، يسد نقصه ويعالج عُوارَهُ، وصولا الى ما نصبو اليه واياكم.
ملاحظة اخيرة هنا ولكنها ليست الاخيرة ببالي، تُحمّلُ أيها الشاب ما انت به الى الانقسام وطرفيه، محقٌّ انت بدرجة كبيرة، ولكن الا ترى ان الشباب انفسهم اكثر انقساما من طرفي الانقسام السياسيين، وهنا اشير الى نسبة لا باس بها من الشباب تشكّل وعيهم او بدأ بالتشكل في ظل الانقسام، فبات الانقسام جزءا من هذا الوعي، فاثني عشر عاما من الانقسام ولدت جيلا شابا لم يعِ حالة سوى الانقسام وتبعاته، ومناكفاته، وظروفه الحياتية (اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا...الخ) فالوعي منقسم حتى لو صدح اللسان بالوحدة،  وكم نحتاج جهودا كي نقنع وعي من لم يعش سوى الانقسام _كمنظومة_ ان هناك ظرفا اخر هو الوحدة. صدقوني ان الامر اصعب بكثير من عناق الفرقاء، وتوقيع اتفاق، وتمكين، ورفع حصار. هذا جانب بالغ الاهمية فَرْضٌ عليكم ان تعملوا لاصلاحه، والا سنبقى واياكم جياعٌ للحياة.
* انا لست شابا فقد تجاوزت منتصف اربعينيات العمر، لكنني جزء من من وطن شاب.
لماذا اخترت مقطعا من اغنية ام كلثوم لاستهلال مقالي هذا.. لأنه ممنوع عليكم ان ينهار هذا الصرح، حتى وإن بدت فيه الصدوع جليّة مخيفة، انتم يا سادتي الشباب اللبنات ولواصقها ان اخترتم ان تكونوا كذلك، السخط والغضب امر جيد، جيدٌ من ناحية انه دليلٌ على فهم ان هناك خلل، وجيد اذا تحول الى برامج عمل يحركها هذا السخط لكنها ليست برامج ساخطة بل واعية، المبدأ الوحيد الثابت في هذا الكون هو أن لا شيء ثابت، ولا شيء أزليّ، فالتغيير قادم، لا بل ان التغيير يحدث الان، فكونوا دفتهُ، بالعمل والمبادرة والمشاركة واخذ الدور بسلاسة، فالكبار ذاهبون بحكم الزمن والوسائل الحضارية ان اخلصتم الجهد، والنضال الوطني حالة واجبة مستمرة حتى وإن خَبَتْ، فكونوا النضال وقودوه، فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم
عبدالله زماري
باحث في شؤون التنمية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق