الثلاثاء، 10 مارس 2020

حكومتنا وكورونتنا


تضعف في أوقات الأزمة وانتشار أسباب القلق والضغط النفسي، قدرة نسبة لا باس بها من الناس، على التركيز، وتنخفض مستويات اتخاذ القرارات السليمة، وبالتالي يحصل تغيير سلبي على انماط السلوك الفردي والجماعي لمجمل السكان حيث:
1- تميل فئة من الناس الى الانطواء والبعد عن المحيط الاجتماعي ظناً من الشخص أنه إن ابتعد عن مصدر القلق والتهديد، فإنه سيحافظ على سلامة نفسه وجسده، وهؤلاء لا ينخرطون بالشأن العام او الجهد الجماعي بل يكتفون بانفسهم ومحيطهم الضيق.
2- نسبة أخرى، الذين يظهرون بمظهر اللامبالي، المتكيّف، المتعايش مع التهديد وكأن شيئا لم يكن، وهم هنا يستخدمون حيلة نفسية تشعرهم بالاطمئنان ويظهرون أمام الآخرين بمظهر الأقوياء _وجزء منهم فعلا قوي_ وربما يبحث بعضهم عن إثارة إعجاب المحيطين به وتثبيت صورة شخصية بانه كاريزماتي قوي يعتمد عليه بالشدائد، هؤلاء مهمون في توفير دعم نفسي للآخرين حتى لو بطريقة غير مباشرة كونهم هم من يحافظون على سير الحياة الطبيعية.
3- نسبة من المواطنين تصاب بالهلع والرعب من اي تهديد وعند أي أزمة، هؤلاء قد يشكلون عبئا كبيراً حيث ليس من السهل تهدئتهم واقناعهم أن الخطر من الممكن السيطرة عليه أو من الممكن مواجهته بشكل جماعي، وهذه الفئة مقلقة لأنها فاقدة الثقة بنفسها وبالمجتمع ولا تؤمن بالعمل كفريق بل وتشكك بكل جهد يبذله أي شخص أو جهة لمواجهة الخطر بل ويرون الجهود جزء من المشكلة ويحاولون انتقادها.
4- الشخصية المتذمرة، المنتقدة لكل شيء دون حتى التفكير في قيمة أو أهمية هذا الشيء او الإجراء، ونشر الاشاعات والأخبار الكاذبة " وربما يعتقدون أنها صحيحة في مخيلتهم" هذه المجموعة من التصرفات تنتج اما عن شخصية مرعوبة او شخصة حاقدة على المجتمع او جزء منه. هؤلاء يشكلون معيقا لاي جهد جماعي، واي توحيد للجهود، ويضرون النسيج الاجتماعي، ويساهمون بحدوث عدم التوازن بين بقية الفئات لصالح زيادة نسبة الفئات (5و6) هؤلاء خطر يجب عزلهم واغلاق اي قناة لهم مع المجتمع.
5- تظهر على نسبة اخرى بوادر عنفيّة لم تكن تظهر عليه سابقاً، ونتيجة شعوره بالتهديد والضعف فانه يتحول الى مصدر للتهديد ويحاول الظهور بمظهر القوي المسيطر المؤثر حتى لو عن طريق العنف، وهي احدى الحيل النفسية المعروفة، حيث يعتقد الشخص انه بذلك سيحصل على توازن نفسي يعوضه عن شعوره بالضعف امام الحدث الكبير الذي يتعرض له..
6- نسبة اخرى، أصحاب سلوك اجرامي، وليس العنف فقط، ولكن استغلال الظرف وانشغال الناس بالتعامل مع مصدر القلق والتهديد وحماية انفسهم واعزائهم من التهديد " المرض او الحرب ..الخ" فتلجأ هذه الفئة الى ارتكاب الجرائم " تحرش، سرقات، اعتداء، تخريب ممتلكات، ترويج المخدرات..الخ الخ "
7- هناك فئة لم أكن أريد التطرق لها وهي فئة القدريين والمفتين والذين يلجأون للأسطورة والغيبيات في كل أمر، فهؤلاء جزء منهم ينطلق من جهل وضعف حيلة، وجزء من ايمان ديني وتوكل على الله ولطفه، لا اعتراض ابدا على التوكل على الله ولطفه، ولكن الله نفسه أمرنا بالأخذ بالاسباب والعمل والسعي لتحسين الحال والنفس واصلاح شأن العامة بما استطعنا من جهد.
ليس لدي شخصيا إحاطة بنسبة توزيع كل نسبة من النسب، ولكن أعتقد انها تختلف باختلاف مستوى التهديد وحجم الخطر وطبيعته..
في حالتنا الفلسطينية ليس هناك استثناءات فنحن جزء من النسيج البشري العالمي، نختلف قليلا هنا أو هناك، إلا ان الفئات أعلاه موجودة لدينا كما هي موجودة بالمجتمعات الأخرى، مع اختلاف في النسب.
في موضوع الأزمة الحاصلة بسبب ظهور حالات فيروس كورونا في فلسطين، وبرغم انحصار الحالات في محافظة واحدة، فقد اتخذت الحكومة الفلسطينية، عدة إجراءات وأعلنت حالة الطواريء في كل البلاد. قد يستغرب البعض أو يستهجن او ربما يتضايق وتتاثر حياته، من بعض إجراءات وتعليمات الحكومة ضمن حالة الطواريء المعلنة، ولكن برأيي الشخصي إن التشديد في الإجراءات الآن سيجنبنا الإنهيار لاحقا إذا لا سمح الله انتشر المرض بشكل واسع، فالسلطة الفلسطينية تمتلك إمكانياتٍ متواضعة مقارنة بمعظم الدول التي انتشر فيها المرض، إمكانيات لن تمكنها من مواجهة واسعة، بالرغم من محاولات حثيثة من قبل بعض أصحاب الشخصية (4) للتشكيك الدائم والانتقاد الذي وصل لحد الاتهام، الا ان النتائج حتى الان ليست خطيرة فحتى الحالات المصابة والتي تم عزلها في ظروف جيدة لم يظهر عليها اعراض قاسية حتى الان.
قد يقول البعض انه وفي هذه الحالة، حيث لا انتشار واسع للمرض وانحصار الحالات ولا يوجد عدوى واسعه، فلا مبرر لاجراءات الطواريء، ولا مبرر لانتشار قوات المؤسسة الامنية والشرطية في شوارع المدن الفلسطينية، واغلاق الاماكن العامة والمقاهي وصالات الافراح والمدارس والجامعات الخ الخ .. ولكنني أتبنى الرأي القائل أن التشدد الآن حتى وإن كان ضاغطاً، فإنه يجنبنا نتائج كارثية محتملة اذا تم التهاون بتنفيذ الاجراءات على الارض، بل انا ادعو المواطنين جميعا لالتزام التعليمات التي تصدر عن الجهات الرسمية ، الصحية والامنية، واخذ المعلومة فقط من خلال الناطقين الرسميين للحكومة ومن ينقل عنهم من الإعلاميين، والابتعاد عن الانجرار خلف الأخبار الملفقة والمفبركة والإشاعات والإبلاغ عن مروجيها حيث هذا سلوكاً مجرّم قانونياً..
أخيرا سألني أحد الاصدقاء قبل يومين حول " جدوى نشر العسكر في الشوارع ليل نهار، مع ان الازمة أزمة صحية، وهو بالمناسبة احد العسكر المنتشرين ليل نهار ولهم كل التحية" أرجو ان يكون هذا المقال جواباً على سؤاله خاصة ما يتعلق بالانماط (4،5،6) من السكان ولأن وجود من يحافظ على الأمن أمام الناس يشعرهم بالطمأنينة، ويعزز من قدرتهم على التعامل مع التهديدات الصحية وتنفيذ تعليمات الأمان والسلامة الشخصية، لأن قدرة الآمن على اتخاذ القرار السليم تفوق قدرة الخائف.



عبد الله زماري
باحث بمعهد فلسطين لابحاث الامن القومي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق