الخميس، 24 أكتوبر 2019

ثورة Cute

ثورة Cute
 هكذا يطيب لبعض متابعي الاحتجاجات الشعبية التي تنتشر على طول شوارع المدن اللبنانية وعرضها، تسمية هذه الاحتجاجات..
ربما كان هذا وصفا لطيفاً من بين التوصيفات الكثيرة التي رصدناها جميعا عبر صفحات التواصل الاجتماعي خلال الأسبوع الفائت، علما أن هناك توصيفات أخرى أكثر قسوة، وأخرى اكثر دقة، ولكن الملفت أن تعليقات كثير من الفلسطينيين شأنهم شأن بقية العرب ركزت في معظمها على اللبنانيات المشاركات ولباسهن واجسامهن منطلقين من الصور والفيديوهات التي اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي ويتم تبادلها بنوع من الفكاهة، أو الإثارة أو النقد الجارح أو الخادش للحياء أحياناً.
ربما لم تتبلور الاحتجاجات بشكل يمكن إطلاق تسمية ثورة عليها، ولكنها على الأقل حراك شعبي منظم قليلا وعفوي قليلا ، إلا أن الحقيقة الأبرز هي أنه لم يكن لينزل للشوارع لولا كمية الالم والقهر والأذى الذي طال قطاعات واسعه من الشعب اللبناني نتيجة ممارسات "حكام البلد" ومتنفذيه، مما أثر بالدرجة الأولى على مستوى وجودة حياة الشعب واقتصاده، وربما كان سوء الاقتصاد من أبرز روافع الحراكات الشعبية، خاصة إذا اقترن بفساد النظام ومؤسساته في دولة محدودة الموارد كالدولة اللبنانية.  فالبطالة وارتفاع الأسعار وزيادة الضرائب ونقص الخدمات أدت بالإضافة إلى عوامل أخرى إلى احتقان متراكم لدى قطاعات واسعه من اللبنانيين، هذا الاحتقان كان يجري التعبير عنه منذ فترة ليست بالقصيرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي بالانتقاد تارة وبالسخرية تارة وبالهجوم اللاذع تارة، الا ان شيئا لم يتغير سوى للأسوأ، ولم يأخذ "حكام البلد" الأمر بجدية على ما يبدو، مما أدى إلى استمرارهم بنفس السياسات التي أدت لمزيد من السخط الشعبي، الذي لم تعد تتسع له مواقع التواصل الاجتماعي وشاشات التلفاز، بس كانت النتيجة الطبيعية هي نزول هذا السخط والقهر والألم الى الساحات والميادين العامه مغلقا شوارع العاصمة بيروت وعدد من المدن الرئيسية إن لم يكن كلها.. وهنا قد يسأل سائل اين هو السخط والقهر والألم الذي تتحدث عنه، منطلقا من الصور والمقاطع التي أشرنا إليها آنفاً، وهما فإن الإجابة على هذا السؤال تأخذ أكثر من جانب:
أحدها أن هذه الصور والفيديوهات ليست كل ما يحدث بالشارع ولا تختصر الحراك ابدا ، ولكن هناك مآرب تحويلية وتأويلية من وراء تركيز بعض وسائل الإعلام عليها وتصيّدها ونشرها على نطاق واسع مستغلين (الجوع والجفاف) الجنسي والعاطفي لدى الكثيرين مما سيعني تركيز هؤلاء على أجساد الصبايا ولباسهن بدل الالتفات إلى ما دفعهن للنزول إلى الساحات والشوارع، وهو ما سيقود إلى ما يشبه التعاطف الغرائزي، وليس التعاطف الإنساني والتأييد السياسي لمطالب الجماهير.
جانب آخر هنا هو، أن الشعب اختار التعبير عن غضبه بهذه الطريقه، سمها الكيوت، أو السلمية، أو الناعمه، ليس مهما، ولكن هذه الطريقه جعلتني أؤمن أن هذا شعب تعلم من تجاربه السابقه، صحيح أن اغلبية الفتيات والشبان الذين يملأون الساحات لم يعاصروا أو يعايشوا الحرب الأهلية اللبنانية، لكن الدم المسفوك خلالها لا زالت اثاره بل وربما رائحته وألم الفقد المرتبط به لم تسمح من الذاكرة الجماعية للشعب الذي عانى ويلات الحرب، تلك الحرب التي انتهت ميدانيا، إلا أن اباطرتها وعرابيها لا زالوا أنفسهم هم من يسيطرون على المشهد السياسي في الدولة، وهم أنفسهم المتهمون شعبيا بتخريب البلد ونهيه وإفساده، وهنا ايضا أحد محاذير الحراك، فغول الطائفية ( الدينية، والمذهبية، والسياسة) لا زال كاشّاً عن أنيابه متربصا للفتك بالنسيج الاجتماعي بل والفتك بالبلد كلها، اذا لن تتضايق تلك الصبية من تحديقك في لباسها ومفاتنها، لكنها بالتأكيد لا تريد أن يتم التحديق لحقتها أو جثث عائلتها اذا ما مال الأمر إلى العنف والاقتتال.
جانب آخر، أن الشعب حضاري التفكير، فهو يعلم جيدا محدودية موارد البلد، وان كل شيء فيها يُبنى "كل شبر بنِذِر" كما يقول المثل الشامي.. وان تخريب اي ملكية عامة سيعني فقدانها لسنوات طويلة قادمة حيث من الصعب تعويضها بسهولة، في بلد يعاني اصلا من نقص بالخدمات وهشاشة الممتلكات العامة، لذا كان هذا الحراك ناعما سلميا خالٍ من العنف المقترن بالتخريب، على عكس ما اعتدناه خلال "ثورات" الشعوب العربية في العقد الاخير.
هناك ايضا، العديد من الفيديوهات والتسجيلات التي ربما قل من انتبه لها في البداية، فهي خالية مما يثير الغرائز ويُجحِظُ عيون الناظرين، فيديوهات تحمل هموم الناس ودموعهم ووجعهم وبقية الأمور التي دفعتهم للاحتجاج، وهناك الأوامر الحكومية اليوم والامس للجيش اللبناني بفتح الطرقات بالقوة، أوامر نفذها الجنود بعيون دامعه ووجع مكبوت، وقابلها المحتجون بالتعادل والتفهم، وبخطاب أكثر رقياً من مقاصد مصدري الأوامر وبالورود التي وزعتها الجميلات على الجنود أنفسهم الذين فتحوا الطرقات بالقوة، فالجندي مواطن ورب أسرة تعاني ويعاني بدوره مثل بقية الشعب من سياسات المتنفذين التي توصلت البلد لما وصلت إليه.
انا هنا لا أنكر جهلي بالتركيبة الحزبية والسياسية في لبنان، فانا غير متابع للشأن السياسي اللبناني، ولكنني اعلم أن لبنان كان ولا زال ساحة لتناطح قوى محلية وإقليمية ودولية عديدة، وساحة كذلك لتصفية حسابات فرقاء كُثُر،  وانا كذلك، لم أكن متابعا للحراك الشعبي من بدايته، وهو ما يعني أن محاولتي هذه ستكون منقوصة، ولكني استطيع فهم بعض الجوانب الإنسانية والإعلامية المحيطة بهذا الحراك أو المتغلغله  به، ولأن الظروف الإنسانية محرّك قوي جدا، والإعلام سلاح بتّار اذا ما استغل بشكل فعال من هذا الطرف أو ذاك ( وهو ما يجري فعلا) ولأن قوى الدفع الثلاثة ( الانساني، الاعلامي، المنافسة وتصفية الحسابات) من غير المرجح غياب أحدها عن المشهد في المدى المنظور، فإنني اميل للاعتقاد أن الحراك لن ينتهي قريبا، كما أرجح أيضا أنه لن يستمر ناعما اكثر من عدة أيام قادمة، وهنا نحن أمام اكثر من مسار محتمل:
الاول، استمرار الحراك بصورته الحالية لمدة غير محددة وهو ما يعني ضخ مزيد من المحتجين للشوارع (سلاح ذو حدين) واستمرار تعطيل الحياة وعجلة الاقتصاد في لبنان، والتي وان كانت ضعيفة إلا أن غيابها ينبيء بانهيار مؤسسات الدولة
الثاني، استقالة الحكومة اللبنانية الحالية وإعادة تشكيل حكومة جديدة كحكومة اصلاح وانقاذ، ولكن من المرجح أن الحكومة الجديدة ستكون مشكلة من نفس القوى السياسية وعلى نفس النظام الطائفي السائد منذ الاستقلال، حتى ولو احتوت هذه الحكومة وجوها جديده، وهذا المسار سيعني بما يشبه اليقين أن لا تغييرا جديا سوف يحدث، ولن تعالج أية مشكلة علاجا جوهرياً مقنعاً مما سيعيد الناس للشارع للاحتجاج مرة أخرى وربما بعنف أكثر..
الثالث، إصرار الحكومة على البقاء، وكإحتمال اول، إصدار تعليماتها للجيش وقوى الأمن بفض الحراك وإخلاء الشوارع بالقوة، الأمر الذي قد يقابل بتصدي الجماهير لقوى الأمن بطرق عنيفه، في دولة يمتلك معظم مواطنوها أسلحة وذخائر تكفي لإشعال حرب اهلية، وفوضى عارمة وهو ما تسعى معظم الأطراف المحلية لتجنبه حسب اعتقادي لأنه ذو نتائج كارثية وغير محسوبة.
او كاحتمال ثانٌ، إصرار الحكومة على البقاء، مع افتعال بعض اللاعبين المحليين أو الاقليميين اشتباكات مسلحة،مع دولة الاحتلال أو مع تيارات متشددة (تجتاز الحدود السورية) إلى الداخل اللبناني..
الشيء الوحيد الذي أنا متأكد منه، أننا مع وحدة الأراضي اللبنانية، ومع تحقيق مطالب الحراك بأقل قدر من الخسائر، ولتستمر"الثورة" ناعمه تزينها اخر موضات اللباس، وتجللها رائحة العطور الجميله، وتتخللها اصوات الغناء ومشاهد الرقص، بعيدا عن القسوة والعنف، لأنه وربما، كانت شرارة واحدة كفيلة بإشعال حرب تستبدل العطر بالدم والغناء بالرصاص، وموضات اللباس بالأكفان.. ولهذا نقول اللهم كف أيدي الخليج وإيران عما يجري من حراك انسانيٍّ مطلبيٍّ ناعمٍ وسلميّ ومحقّ..
عبدالله زماري
باحث بمعهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي

هناك تعليقان (2):

  1. بالتوفيق يا صديقي.. اسلوب مشوق وبنيه متماسكه

    ردحذف